سطور عانقها الهوى
الفصل الثاني عشر
****
ظلت الأنظار عالقه بين ثلاثتهم ، إلي أن هتفت عمتها ، بعدما بدأت تستوعب ما تفوهت به أبنه أخيها:
– لاء ياصفا ، أزاي أوافق تعيشي بعيد عني
واردفت متحسرة علي الحال الذي اصبحت فيه أبنه شقيقها
– عايزه تبقي مرافقه ، مش كفايه بهدلتك في شغل المزرعه ..، ده أنتي مكنتيش متعوده علي البهدله ديه يا بنت الغالي
تمتمت بها “صافيه” وذرفت دموعها ،فاردف “صابر” بعجز وألم بعد حديث زوجته :
– ليه يابنتي عايزه تحسسيني إني خلاص بقيت عاجز
فاسرعت صفا نحوه ، تقبل كفيه
– أنا شوفت الست ديه ، وحبيتها ..، مش يمكن ربنا بعتني ليها
وبقلة حيله ونواح كانت تهتف صافيه :
– اقول لأخويا الله يرحمه إيه ، اقوله أني مقدرتش اتحمل مسئولية بنتك .. اقوله سيبتها للدنيا تلطش فيها ..
وصابر لم يكن حاله اقل منها ، إنه يفهم سبب أقتناعها بهذا العمل ..، العمل الذي عرضت عليه زوجته ان تعمل به منذ أشهر ولكنه رفض ..، انتظرت “صفا” جوابهم فليس لديها فرصة إلا في هذا المنزل بذلك الراتب الضخم الذي أخبرها به فتحي.
نظرت “صافيه” نحو زوجها القابع مكانه بضعف ، تتوسل اليه بنظراتها بأن يقول شيئا , يجعلها تتراجع عن تلك الوظيفه ، طالع “صابر” تلك الواقفة تنظر إليه برجاء ، فإذا اقتنع هو ستقتنع عمتها :
– فكري تاني ياصفا يابنتي ، و أوعي للحظه تفتكري أنك عبأ علينا يا بنتي ..، حسن الله يرحمه كانت جمايله كتيره عليا ..
ولكنها كانت مُصرة علي الذهاب ، حتي تحصل علي الأموال التي ستُساعدهم بها
– يمكن تكون صفحه جديده من حياتي ، ولو مرتحتش أوعدك هرجع علطول
وبوعد أخذوه منها ، كان يوافقوا ..، فليس بيدهم شئ ما دام هي تُريد ذلك
دمعت عينين “صافيه” فاقتربت منها تحتضنها بقوة ، تؤكد لها ..، إنها إذا لم تجد حالها في هذا العمل ..، ستعود للقرية ..، كما أن “السيد فتحي” وعدها أن وظيفتها هنا ستظل محفوظه.
……………………………………………………..
ظلت طيلت ليلتها ، تتقلب في فراشها وتسأل نفسها سؤالاً واحد؟
هل ستسطيع تحمل ما هو قادم ، فالعمل في قصر كبير لدي هذا الرجل الذي جعلها تخافه ، منذ أول لقاء لها معه لن يكون سهلاً عليها
أغمضت عينيها ، وقد بدأت أحلامها تسيرأمام عينيها ، تتذكر أحلامها الورديه بأن تصبح يوما ما ذات شأن في شركة كبيرة خاصة بمجالها ، وابتسامه حزينه أرتسمت فوق شفتيها وهي تتذكر ..، كم كانت تظن أن الحياة تفتح لها ذراعيها وتنتظرها حتي تحقق لها أحلامها ، ولكن احلامها جعلتها تغفل عن الحقيقة..، فالأحلام ليست سهلة المنال
فتحت عينيها وتنهدت بثقل ، تنظر لسقف الغرفة كعادتها
– هتقدري تستحملي اللي جاي ياصفا
أقتربت منها “جنه” بعدما شعرت بها ، وكانت مثلها قد جفاها النوم
– وافقتي علي الشغل عشان علاج بابا يا صفا مش كده
وسقطت دموع “جنه ” ، وقد تذكرت أعمامها
– إزاي في ناس قلبهم قاسي كده ، عمرهم ما فكروا يسألوا علي اخوهم ..، عايشين في العز ، واخوهم مش لاقي حق العلاج ، وبيشتغل مجرد فلاح في الأرض
أعتدلت “صفا” في رقدتها ، وأحتضنتها ..، وهي أيضاً لا تستوعب كيف لأخوه يفترقون عن شقيقهم لأنه تزوج من أمراه لم يُريدوها في عائلتهم لانها فقيرة ولم تكن هذه المرأه إلا عمتها
– أنتم مش محتاجينهم يا جنه ..، ديما حطي في راسك كده .. الناس اللي تبيعك بعيهم
مسحت “جنه” دموعها ..، وقد أبتسمت علي حديثها ..، ومازحتها حتي تزيل هذا البؤس قليلاً عنهما
– يعني أبيعك يا صفا ، مدام هتبعينا وتبعدي
دفعتها “صفا” عنها ، وقد فصلتها عبارتها ..، التمعت عينين “جنه” بعدما أعتدلت من وضيعتها
– بتبصيلي كده ليه ؟
– أنتِ هتروحي تشتغل في قصر السيوفي ، يعني أبو عيون زرق هتشوفي هناك
وقبل أن تهتف “جنه” بشئ ، اقتربت منها “صفا” تُكمم لها فمها
– الواحد غلطان ..، إنه بيحكيلك عن مشاعره
فتملصت “جنه” من قبضتها ، واخذت تلتقط أنفاسها
– هتمـ,ـوتيني عشان كنت بضحك معاكي
– لأني عارفاكي هتفضحيني ..، لكن عشان أريحك ياجنه وتبطلي جو الأحلام ،
الناس اللي زي ديه مبتحبش غير اللي شبهم يا جنه
رمقتها “جنه” ثم قطبت ما بين حاجبيها ..، فمن هو الذي يعيش الأحلام غيرها ..، فضحكت “صفا” علي هيئتها ..، فهي تقصد حالها وليست أبنه عمتها التي تعيش دوماً علي أرض الواقع.
…………………………………………………………
أنبسطت ملامح “ناهد” بعدما أستمعت لما يُخبرها به ، فلم تكن تُصدق إنه سينفذ لها رغبتها بهذه السرعة ..، ويجلب لها هذه الفتاة ..، كما أرادت
– يعني وافقت تيجي تعيش هنا
وبكبر كان يُجيبها
– ومتوافقش ليه ، ديه هتاخد مرتب عمرها ما حلمت بي
تعجبت “ناهد” من حديثه ، ولكنها لم تهتم بالأمر ..، دلفت “فريدة” الغرفه وقد أستمعت لعبارته متسائله
– هي مين ديه اللي هتيجي هنا
أشاحت “ناهد” وجهها للناحية الأخري ، فتمتم هو قبل أن ينصرف
– المرافقة الجديده
حركت “فريدة” رأسها ، وغادرت الغرفة خلفه ..، اتبعته حتي دلف غرفته ووقفت تتسأل ثانية
– هو أنا ممكن أروح النادي يا عامر
– اعملي اللي أنتي عايزاه يا فريدة
وهكذا كان يُعطيها الحرية في كل شئ ..، فبدأت تشعر بالضجر من الأمر ولا تعلم السبب
انتبهت إنه وقف يزيل عنه قميصه ..، وعندما التقت عيناهم ..، ظن إنها ستُغادر الغرفة ولكنها اقتربت منه ووقفت امامه تزيل عنه قميصه وتُخبره بما يُعجبها به
– تعرف إنك أكتر راجل شوفته مهتم بجسمه ، حقيقي يا عامر اللي يشوفك ميعرفش يحدد سنك
طالعها وهي تتحدث ..، لقد تكيفت “فريده” مع المكان بل وبدأت تعتاد عليه وتقترب منه
توترت وهي تراه يبتعد عنها ، بعدما أزاح عنه يديها برفق ..، انتبهت علي فعلتها ولكن لم تكن تقصد شئ ..، فهي اعتادت علي الصراحه في حديثها
– ممكن يا فريده ، تنزلي تطلبي من الخدامه تحضر العشاء
أماءت له برأسها وهي تعلم إنه يصرفها بذوق ..، فتنهد براحه بعدما رحلت من أمامه ..، يهتف لحاله وغريزته
– اوعي تضعف يا عامر ..، مافيش ست تقدرك تضعفك مهما كان جمالها ورقتها
…………..
وقفت جنه تعد لها حقيبة ثيابها ببؤس ، وقد اصبحت دموعها عالقة بأهدابها تخشي نزولها من أجلها من اجل أن لا تحزنها
– أوعي تعيطي وتقلبيها دراما ياجنه
اماءت لها “جنه” برأسها ، ولكن دموعها انسابت رغماً عنها
– بحول أتقبل إنك هتبعدي عننا يا صفا ..، لكن مش قادره
وبصعوبه ، كانت تتحكم “جنه” في دموعها ..، وحتي تُخرجها “صفا” من هذه الحاله تسالت وهي تنظر نحو الثياب
– أختارتيلي هدوم تليق بسيدات القصور
ابتسمت “جنه” بعدما مسحت دموعها ، ورمقتها بتذمر
– طبعا الليدي صفا ..، هتعيش في قصر وهتبقي من الهوانم
وهكذا بدء المزاح كعادتهم ..، ولكن كل منهن كانت تُفكر فيما سينتظرهم
“صفا” التي سترحل حتي تجني المال ..، من اجل مساعده زوج عمتها في علاجه المكلف
و “جنه” التي بدأت بالفعل تبحث عن عمل ، فقد أوشكت دراستها علي الإنتهاء
…………..
اتبعت خطوات “السيد فتحي” بعدما ترجلت من السيارة الفخمه التي نقلتها من البلده إلي قصر السيوفي .
و في بضعة خطوات قبل الصعود للدرج الرخامي، توقف “فتحي” مبهوراً ككل مرة يأتي فيها إلي هنا ،حيث يطلق عينيه للتحديق في ثراء أبناء السيوفي وما وصلوا إليه..
لم يكن حالها مُختلف عنه ..، فقد وقفت تلتف حولها تنظر للمكان برهبة وعدم تصديق إنهم بهذا الثراء الفاحش ..، ولا تعلم لما أتتها صورة هذا الرجل ..، ليس الشقيق الأكير ..، بل الأصغر الذي رأته منذ بضعة أشهر في المزرعه ..، صاحب العينين الزقاوين الذي لم يترك مخيلتها ..، فكلما قرأت كتاباً يصف فيه كاتبه الشخصيات كانت ترسمه في خيالها ثم تذهب لأحلامهم وتحلم به في حلم ليس إلا سراب تصنعه لحالها ..، وقد عانت لفترة من أحلامها الحمقاء بهذا الرجل حتي بدأت تتنساه
فاقت من شرودها ، وقد أنتبهت علي صوت “فتحي”
فتحي : طلعتي محظوظه يا صفا ، عامر بيه بنفسه يشغلك هنا عنده مرافقة للست كبيره ، والله أعلم إيه تاني ممكن يحصل
تمتم “فتحي بعبارته الأخيره ، ولم تفهم مقصده ..، فهتفت متهكمه وبصوت خافت
– حظ ، والله مافي حد عايش في الحظ غيرك يا فتحي
– بتقولي حاجة يا صفا
فطالعته بعدما حملت حقيبة ملابسها ، بعد أن أخرجها السائق لها
– لا يا أستاذ فتحي ، أنا بقول إني هفتقد شغلي معاك ..، هو في مدير زي حضرتك بيريح موظفينه
فهندم “فتحي” من جلبابه الفخم ، الذي لا يرتديه إلا في المكان التي تناسبه
– اصيله يا صفا ، وعشان كنتي موظفة مجتهده وبتسمي الكلام ..، هوصي عامر بيه عليكي .. ، ما أنتي عارفه ..
وقبل أن يتم عبارته ، كانت تهتف بدلاً عنه بتلك المعلومه التي أصبحت تحفظها عن ظهر قلب
– عارفه يا أستاذ فتحي ، صله القرابه العظيمه بينك وبين الباشا!
فتحت لهم الخادمه أخيراً ، بعدما ضجرت “صفا” من الوقوف وسماع عبارات “فتحي” الفخوره بقرابته مع عائله السيوفي ..، وكيف كان والده صديق لوالد السيد عامر
رحبت بهم الخادمه ، وقد كانت علي علم مسبق بقدومهم
– عامر بيه ، مستنيكم في مكتبه
ارشادتهم نحو المكتب ، الذي يعلم “فتحي” وجهته ..، فسار أمامها..، يفرد جسده وكأن صاحب أملاك وليس من مستخدمين هذا الرجل
وبنبرة جامده ، كان يتسأل “عامر” بعدما رفع وجهه عن الأوراق التي أمامه
– اتأخرت ليه يا فتحي ، المفروض كنت توصل هنا من ساعتين ..
فالتف “فتحي” نحو “صفا” يرمقها حانقاً ..، فهي السبب في تأخيره ..، بعدما وقفت تودع كل من أحبتهم في البلده وكأنها ستُهاجر إلي دولة أخري
– الهانم كانت بتودع أهل القرية
تمتم بها “فتحي ” متهكماً ، فرمقته بضيق لم يخفي عن “عامر” ، الذي نهض عن مقعده ..، يسألها عن أسمها مرة أخري
– قولتيلي أسمك إيه ؟
– صفا