سطور عانقها الهوى
هذه النسخة معدلة من رواية أحببت كاتبًا والتعديل شمل أجزاء عدة من الرواية.
نبدء فصول الحكاية.
الفصل الأول
********
العرق يتصبب على جبينه وأنفاسه تتعالا وكأنه في سباق ، إنها هنا أمامه يمدَ لها يديه ، يُطالبها ألا ترحل ولكن ، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه ..، فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة .. ثم اخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها
– مها
وهكذا كان يتكرر حلمه بها ، لم ينساها يوماً بل اصبحت أسيرة أحلامه ..، نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته ، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها ..، وذكري بعيدة تأخذه نحوها , نحو أحدي الليالي التي جمعتهما قبل تلك الحادثة التي انهت بحياتها وحياة جنينهما.
……………
في ظلام تلك الحجرة البسيطة كانت هناك عينين تفتح وتغلق بتنيهدة معبئة بأحلام وردية بعدما فاقت صاحبتهما من حلمها، فهي تعيش وسط ضجيج هالك من المشاعر التي تنتابها كل ليله بعد قراءة أحد كتبه بحالمية وكأنه يسطر كلماته من أجلها فقط ..، كانت تعلم حماقة ما تفعله ،بل وينعتها والديها بالجنون ورغم ذلك لم تتخلي عن أحلامها
تنهدت تلك الغافية جوارها هاتفة بنعاس :
– لسا منمتيش ياصفا ؟
فعادت تنهيدة صفا ، تصحبها زفرة طويلة وعينيها أزدات بريقًا ..، فقد استيقظت من غفوتها للتو علي حلم مازال مرتسم أمام عينيها وكأنه حقيقة
– حلمت بمراد زين يا جنه
صمتت “جنه” للحظات تستوعب ما تخبرها به أبنة خالها بكل حماقة ، غير مصدقة أنها ايقظتها من غفوتها بسبب تقلباتها فوق الفراش ثم تنهيداتها العالية لتخبرها بحلمها السخيف
– يعني قلقتي نومي ، والنوم طار خلاص .. وتقوليلي حلمت بمراد زين
ظلت “صفا” في غفوتها الحالمة ، ولم تنتبه علي نهوض “جنه” من جوارها ثم حملها لدورق الماء وسكبه فوقها ، تعالت شهقات “صفا” وقد انتفضت من فوق الفراش تمسح قطرات الماء من فوق وجهها حانقة
– منك لله فوقتيني من حلمي
– أنا اللي مني لله ، ولا أنتِ يا شهرزاد عصرك
لم تعقب “صفا” علي حديثها ، فالجميع يسخر من أحلامها الحمقاء التي تعلم حقيقتها ونهايتها ما هو إلا واقع ستعيشه ..، أتجهت نحو إضاءة غرفتها , لتشعلها ثم أتجهت صوب مكتبها الصغير ، الذي يضم بعض الروايات والكُتب لكبار الكتّاب وخاصة عاشقها المتيمة به من كلماته “مراد زين”
وكالعادة “صفا” تخلق لحالها عالم ملئ بالأحلام ، وتزداد أحلامها كل فتحت صفحة من كتبها التي أصدرها ، بحثت بين العديد من الكتب علي أخر كتاب قد أصدره منذ اشهرعديدة ، راقبتها “جنة” بعينيها وقد أزداد ضجراً بأفعالها تتوسط خصرها بذراعيها متمتمة بسخرية
– بكرة تتجوزي واحد ميعرفش حاجة عن الكتب ولا الاحلام ، واخرك تذاكري للعيال
رمقتها “صفا” بنظرة مستهزءة ، بعدما وجدت الصفحة التي تبحث عنها لتستشعر الكلمات والأحاسيس فيها ثانية
“الحب كاللعبه الجميله حين نمتلكه ننسي العالم بأكمله وكأنه ساحر يأسرنا اليه ولكن أسره لنا دوما لاذع”
فتعالت ضحكات “جنه” ثم صفقت بيديها ، فعلي ما يبدو أن أبنة خالها قد فقدت عقلها
جنه:
– هايل يافنان ، انا كرهت الرومانسية بسببك وبسبب الكاتب ده ميكونش القيصر
ربنا يعوض عليك ياخالي ، انا قررت ألم هدومي واخد شنطتي واروح بلدنا للحاجه صافية الغالية … اجازه سوده عليا
لتتجه اليها صفا ضاحكه عندما شعرت أن حماقتها قد أزدادت في الأمر: ليه كده بس ياجنه ، هو الحب حرام
فابتسمت جنه ساخره : لاء ياهابله الحب مش حرام بس اللي انتي عايشه فيه ده وهم .. في حد يحب حد من كلماته بس
فاسرعت “صفا” في احد الأدراج تلتقط صورتها التي خبأتها عن أعين والدتها ،فقد حازت عليها من إحدي المجلات ، فعاشقها مجهول للجميع ولا يحب الظهور ابداً
لتلتقطها منها جنه مازحة : هو ده بقي مراد زين .. لاء تصدقي اموور ياصفا ،عندك حق تحبيه .. ده في عمر خالي ياصفا
وتنهدت جنه بعمق واردفت : صفا بلاش جنانك ده انا كنت فاكره انه مجرد هيام بكاتب لوقت معين لحد ما تلاقي الحب بس أكتشفت انك قفلتي علي قلبك وسيبتي مفتاحه لأوهامك .. اصحي للواقع بقي وشوفي مستقبلك وحياتك
فابتسمت صفا بسعاده وهي تتذكر الجوابات التي ترسلها إليه بريديًا : ياريت يكون شاف رسالتي الاخيره
لتنصدم جنه مما تسمعه : فعلا مجنونه !!
………………………………………………………….
ابتسم بهدوء يدل علي وقاره وهيبته التي تطغي علي عمره التاسع والثلاثون
عامر : الحفله خلصت من زمان يا أستاذ ولا أقولك ياحضرت الكاتب العظيم
فابتسم أحمد وهو يرفع تلك النسخه التي حصل عليها من دار النشر منذ قليل : مش هتقولي مبروووك
فتهكم وجه عامر متأملا سعادة اخيه بذلك العالم الذي دخله رغم ان عالمهم الحقيقي هو الثراء والسلطة وليس الادب الذي ينظر اليه هو بالأخص انه عالم من السخافات وإهدار الوقت
فاقترب منه احمد بموده وحب : ياعامر أنا بحب الكتابة جدا وانت عارف اووي كده ، غير اني قادر ادمج بين عالم المال وعالم الادب
فامتقع وجه عامر أكثر ناهضا من فوق مقعده خلف مكتبه، بعدما أغلق حاسوبه بقوه ,وقد كان يتابع من خلاله البورصه ليهتف بجمود : طالع زي خالك هقول ايه غير مبرووك
فابتسم أحمد متذكراً خاله الذي لم يجد شيئاً ليثبت حبه له ويخلد أسمه سوي أنه يأخذ باسمه اسمًا مستعارا (بمراد زين(
ثم تنهد : ربنا يرحمه
وسار خلف شقيقه متمتماً : ماما نامت صح
فحرك عامر رأسه بالإيجاب وهو يصعد أول درجات الدرج
………………………………………………………….
اغمض عينيه بإرهاق بعد يوماً شاقاً ،وتنهد ببطئ ثم امسك هاتفه ليفتح صفحات التواصل الاجتماعي وهو يري كم تعليقات متابعينه علي كلماته وعباراته البارعه في وصف الاحساس في معظم كتابته ..
ليتأمل احد التعليقات الطريفة فيضحك بقوه وهو يقرء : انا بحبك اووي استاذ مراد ، ده انا من حبي فيك بنده جوزي باسمك وسميت ابني برضوه علي اسمك وقريب اووي هطلق بسببك !
ليقطع ضحكاته اتصالا من صديق عمره والوحيد الذي يعلم بحقيقة مراد زين هو وشقيقه عامر
احمد : خير !
فيضحك رامي بقوه : قولت اسألك للمره الالف نطبع برضوه بالاسم المستعار ولا ننزل بالحقيقه بقي ده هيبقي خبر الموسم يامراد .. ييييه اقصد يا احمد السيوفي يا ابن الحسب والنسب
ليمتقع وجه احمد ساخرا من حديث صديقه : اقفل يارامي وأوعدك ان الربح اللي بتكسبه من نشر رواياتي همنعه عنك واديه لدار نشر تانيه وابقي شوف دار النشر بتاعتك هتكسب ازاي
فيصرخ رامي أسفًا : لا وعلي ايه الطيب احسن يابشمهندس ، فعلا سيوفي سيوفي .. مافيش عندكم رحمه عيله جباره
وينتهي ذلك الحديث الممل بالنسبه له فقد اعتاد عليه من صديقه عندما يتم طباعه اي جديد له
ثم يجذب اخر ابداع له قد خطاه قلمه.. ناظر في صفحاته حتي وصل الي صفحته المنشوده وقرء بعض كلماته
حياة من نحب ليست لعبه بين اصابعنا او عقولنا ، فحين نحب يجب ان نلغي العقل قليلا ونسير بقلوبنا .. فالعقل احيانا كثيره يفكر بالظروف والمنطق والمُفترض والماضي والحاضر والمستقبل .. اما القلب فلا يهتم سوا بأحلامنا ولا يري مستحيلا
……………………………………………………..
فتح عيناه فجأه وهو يتذكر حبيبته التي هجرته منذ زمن بعد ان كرهت جموده وصلابته وحبه في التملك
ليتذكر احد كلماتها له قبل ان تترك البلد بأكملها محاولة نسيان ماضي وزواج فاشل
اميره : انا كرهت تملكك وجمودك ياعامر ، حبي الكبير ليك انت ضيعته بسبب جفاء مشاعرك .. اوعاك تقول انك بتحبني ، وان انا سطحيه ومش عايزه غير كلام الغزل
وصمتت لتترك له عباره ظل صداها يحاوطه : انا وفقت نتجوز في السر واتنزلت عن اكبر حق ليا بس عشان بحبك .. اهم حقوقي اتنزلت بيها عشان الحب وللاسف الحب خذلني .. ابقي افتكر اني اتمنيتك كتير تبقي زوج فعلا ليا زوج مش بنك فلوس بيمتعني بفلوسه وبيه
وتابعت حديثها :
الحب في وجهه نظرك تملك بالفلوس مش بالقلوب
ليفيق من شروده بعد ذلك العذاب الذي يعصف به كل ليله
ونهض من فراشه ليخرج الي شرفة حجرته الواسعه متنهدا بحراره مشتعله في اعماقه .. لم تطفأها الايام ولا حتي ذلك الهواء البارد
………………………………………………………
تأملت صفا الكتاب القابع بين يديها قليلاً لتقرء اسمه وتتخيل بأن كلماته حقا جميعها اليها فقط ..وأبتسمت وكأنها قد رأته هو وليس كتابه الذي يحمل أسمه
عم محمود :مالك يا صفا ، عجبك الكتاب
لتتأمل صفا ذلك الكتاب قليلا حتي خرج صوتها الحالم بدعابه : نعم وجدا جدا كمان، سعره بقي كام ياعم محمود واوعي تقولي ان حتي الكُتب بقيت اسعارها فوق فوق
فيبتسم “عم محمود” وقد كان رجلاً طيبً ، ثم أخذ يمسح فوق خصلات شعره التي أصابها الشيّب وسط تلك الاغلفه القديمه والحديثه من الكتب
عم محمود : تسعين جنيه!!
فتحدق به “صفا” مصدومة مما تفوه به ، كالطفله البلهاء التي حين يبدء والديها بأن يعلموها أحرف أسمائهم فتنظر إليهم بتعجب حتي تخرج من فمها الصغير بعد مشقه أسمائهم التي لا تنطق منها سوي حرفين وفقط
صفا: نعم قول تاني كده ياعم محمود ، الكتاب بسبعين جنيه ، لا خلاص خذ كتابك ياراجل ياطيب
فهتف العم محمود ضاحكا ، واخذ يرفع من صوته : بقولك بتسعين جنيه يا صفا مش سبعين
صفا : لا انا سمعته سبعين يا عم محمود ، وأنت عارف أنا سمعي عشرة علي عشرة
فعادت ضحكات العم محمود تعلو مجدداً من مشاغبتها ومازحها المحبب : خدي الكتاب من غير فلوس ياصفا هو انا عندي اغلي منك ، بس هما يومين والاقي الكتاب عندي سامعه !!
ارتسمت ابتسامة واسعة علي وجه صفا ، وطالعته بأمتنان هاتفة
– أنا لو عليا أشتريه ، بس أعمل إيه الحكومة عندنا في البيت حالفة لو أشتريت كتاب تاني هتولع في كل اللي عندي
لم يكف “العم محمود” عن الضحك الذي افتقده منذ زمن ، متفهما ما تعانيه من والدتها حملت الكتاب منه ، بعدما أصر علي إعطاءها له ، انصرفت من امامه سريعا ، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستختلي بها بهذا الكتاب وكاتبها المفضل ..، انتبهت علي رنين هاتفها ، فانحنت نحو حقيبتها تُخرج الهاتف منها .. لتبهت ملامحها وهي تري أسم والدتها مُفكرة بالحجة التي ستخبرها بها بسبب تأخيرها وعدم شرائها حتي الأن للخضار ومستلزمات البيت:
– يالهووي ديه بطه هتمـ,ـوتني لو عرفت إني لسا مروحتش السوق لا وكمان جيبت كتاب جديد وبقيت زي المتسولة بشحت الكُتب
توقف الهاتف عن الرنين واكملت خطواتها بخطي سريعه نحو السوق حتي تشتري ما دونته لها والدتها ، ولكن فجأة تراجعت للخاف وسقط هاتفها منها تستمع لصوت أحد المارة ينهرها بصوت غاضب
– مش تحسبي يا أنسه
وعندما وقعت عينين الرجل نحو الكتاب الذي تحمله ، تمتم بمقت
– وكمان واحده مثقفة بتاعت كتب
تجاوزها الرجل حانقاً ، وقد اتسعت عينيها ذهولاً من عبارته الاخيرة ..، فاسرعت بالركض خلفه تساله عن مقصده ، فتوقف الرجل مستاءً
– مالهم المثقفين يا استاذ ، أنا مسمحش ليك بالأهانة دية
رمقها الرجل بنظرة قاتلة
– لا ده أنتِ شكلك واحده فاضية موركيش حاجة
ثم هبط الرجل لمستواها… فاشعرها بقصر قامتها هاتفا بتهكم : ابعدي عن طريقي يا شاطرة
وانصرف من أمامها … ليتركها تتأمل أعين الناظرين لها بغرابه
صفا : لازم اجيب لنفسي التهزئ يعني وتقليل القيمة، استغفر الله العظيم
………………………
عادت “صفا” لمنزلها بملامح متعبة ، مسحت حبات العرق فوق جبهتها بعدما وضعت الأغراض جانباً تهتف باسم والدتها وقد خرجت للتو إليها ، تلتقط الأغراض وتتأكد من جلبها لكل شئ دونته لها
– أول مره تجيبي كل حاجة طلبتها منك ، من غير ما تنسي غرضين
رفعت “صفا” يدها كتحية تؤدي بها التمام لها، وتهتف بنبرة مازحة تشيط والدتها منها
– أوامر السيدة “فاطمة” لازم تنفذ بالحرف ، هو أحنا عندنا كام بطه
واسرعت في الاقتراب منها ، تلثم خدها بقبلة أزادت والدتها حنقاً ، فدفعتها عنها
– بت أنتِ بلاش الشغل بتاعك ده ، أنا واثفة إن ورا الكام كلمة الحلوين حاجة
تراجعت “صفا” للخلف قليلاً ، تحك خدها ، فتركتها السيدة “فاطمة” في وقفتها واتجهت نحو المطبخ لتُكمل طهي طبختها هاتفة
– حصليني علي المطبخ ، وطلبك مرفوض قبل ما تطلبيه يا صفا
…………
أبهرها ذكاءه و وسامته ..، أرادت أثبات حضورها أمامها حتي تلفت نظره ، ولكنه كان كلما ناقشته في شئ يخص العمل ..، يُجيبها ببضعة كلمات منهياً الحديث .. ليتعمق في حديثه أكثر مع والدها
أنتبه “عاصم” نحو تلك النظرات التي اطربت قلبه ، فعلي ما يبدو إنه سيجني صفقة أخري مع السيد “محسن” ، أنتهي الأجتماع أخيراً .. فزفر “احمد” أنفاسه بأرهاق ..، فالعمل علي هذا المشروع يتطلب جهداً كبيراً ، اراد المغادرة بعدما أنصرف الجالسين ولم يبقي إلا السيد “محسن” وابنته “فريدة”
– احمد
هتف بها “عامر” بعدما وجد شقيقه يُغادر الغرفة ..، التف “احمد” إليه بنظرات متسائله..، فابتسم “عامر” وهو يُقدم إليه “فريدة” بطريقة أخري
– بشمهندسه فريدة بنت محسن بيه
لم يكن يحتاج لتوضيح أكثر عن هوية الجالسة ، فاستطرد “عاصم” في توضيحه وإلقاء علي مسمعه مزايا الجالسة
– هتكون معاك في كل خطوة في المشروع ، اتمني تتفقوا علي كل حاجة
ثم اردف مازحاً ، ينظر نحو السيد “محسن”
– أنا ومحسن بيه هنكون مجرد مشرفين علي المشروع ده ، ولا أنت إيه رأيك يا محسن بيه
– طبعا ، طبعا يا عاصم بيه
– أنا متحمسة جداً للمشروع ده
هتفت “فريدة”عبارتها بحماس حقيقي ، فتنحنح “احمد” بعدما شعر بسعي شقيقه وراء شئ يجهله
– لكن أنسه “فريدة” متوقعش هتحب الأشراف علي الشغل في الصحرا
انتقلت عينين “محسن” نحو ابنته ، وقبل أن يهتف “عامر” بشئ .. نهضت هي تسير نحوه بخطوات واثقة
– جربني الأول واحكم يا بشمهندس ، وعلي فكرة أنا بنسي خالص في الشغل إني البنت غنية
لا ينكر إنه راقه حديثها بل أعجبه ، مدّت إليه كفها كي تصافحها ، فابتسم “احمد” والتقط كفها مصافحاً ونظرات كلا من “عاصم” و “محسن” تخترقهما في أمل
……….
مضغت طعامها ببطء ، تُفكر في كيفية إقناع والدتها لحضور حفل زفاف رفيقتها ، لم تكن السيدة “فاطمه” من الأمهات اللاتي يعطون بناتهن السماح بالخروج كثيراً والأختلاط بالناس خشية عليها ، فهي أبنتها الوحيدة ولم تنجب غيرها ..
طالع والدها شرودها ،فابتسم بعدما تناول قطعة الخبز وغمسها بطبقه
– مش عوايدك يا صفا ، تقعدي ساكته وإحنا بناكل
طالعت السيده “فاطمة” زوجها وأبنتها فهتفت مازحه
– سكوتها ده ورا حاجة
لم تمهلهم المزيد من الوقت في التفكير ، بما تفكر به فهتفت علي الفور
– معزومة علي فرح صاحبتي يا ماما ، وأنتِ زي العادة مش هتوافقي
القت عبارتها ، ونهضت عن جلستها ..، حيث يتناولون الطعام ملتفين حول طرابيزة قصيرة الأرجل ، طالع والدها الفراغ الذي خلفته خلفها صغيرة متنهداً
– كفاية حبسة للبنت يا فاطمة ، البنت بقي كل علامها الكتب ..، إحنا كده بنظلمها
– من خوفي عليها يا حاج
هتفت بها السيدة “فاطمة” ، فنهض هو الأخر وهاتفاً
– مسيرها في يوم هتواجه الدنيا لوحدها يا فاطمة ، مش هنعيش ليها طول العمر
……….
وعلي طاولة طعام أخري أكثر فخامة ولكنها تفتقر دفئ الحديث ، كان يتناول “عاصم” وجبته مع شقيقه ..، تنهد “احمد” بضجر وشقيقه لا يكف عن مدح تلك التي تسمي فريدة وقد فرضها عليه شقيقه
– هنفضل طول العشا ، مش بنتكلم غير عن فريدة بنت محسن باشا
ابتسم “عامر” وهو يري حنق شقيقه ، ثم تناول كأس الماء يرتشف منه القليل
– البنت تستاهل المدح ولا أنت رأيك إيه
– هي فعلا هايلة يا عامر، لكن اوعي تحلم بشئ زيادة
القي “احمد” عبارته الأخيرة ، ناهضاً عن مقعده .. ينظر نحو ملامح شقيقه التي تجمدت وكأنه لم يكن ينتظر منه هذا الحديث
………
اختلت بنفسها داخل غرفتها حزينة علي حالها من رفض والدتها الدائم لكل شئ ، مُعلله أن هذا نابع من خوفها عليها ..،تعلقت عيناها بالكتاب الذي أعطاه لها “العم محمود” اليوم ..فأخذها الشوق نحو العالم الذي تجد به روحها ، وفور أن التقطته لم تشعر بحالها إلا وهي تستكين بين ثنايا سطوره وتذيب روحها مع كلماته ، غرقت في عالمها المنفرد تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة ، ثم رفعت عيناها عن صفحات الكتاب ، وتعالت تنهيداتها حانقة من حالها وهي تُحادث نفسها
صفا: جنه طلع معاها حق ، انا شكلي أدمنتك ومش هخف من أدمانك
فاقت من حالتها علي صوت طرقات فوق باب غرفتها ثم دلوفها للغرفة ، وفور أن وقعت عينيها نحو الكتاب الذي تحتضن أبنته هتفت حانقة
فاطمه : يابنتي ياحببتي ، الكتب الي بتشتريها ديه هي اللي لسعتلك دماغك ، اكتر ما أنتي لاسعه قومي معايا أتعلمي كام طبخه صدقيني هتفيدك ، مش عيب علطولك ده لما تكون بنت في سنك ولسا متعلمتش ازاي تطبخ ، ده اللي قدك اتجوزوا وخلفوا
أسترسلت والدتها في محاضرتها اليومية كالعادة ، حتي إنها اصبحت تحفظها:
خضتيني يابطه
فاطمه : بطه في عينك ، انا فعلا معرفتش أربيكي
واردفت السيدة “فاطمة” بعدما جلست فوق الفراش ترثي حالها ببكاء مصطنع :
اه يا أخرة صبرك يافاطمه ، بنتك الوحيده اللي مالكيش غيرها مطلعه عينك وكل عريس يتقدم ليها يا ما تطفشه من خيالها الواسع او هو يطفش لواحده ، قال ايه نفسها في راجل زي ابطال الروايات ..، أجبلها العريس الورق ده منين انا
علقت عينين “صفا” وقد فهمت أن حديث والدتها وندبها تلك اللحظه ، ينبأ بوجود عريس أخر أتي عن طريق أحد المعارف ..، وستستمر أسطوانة والدتها من الزن والندب حتي تُقابل العريس وينتهي الأمر كالعادة بالفشل
: تاني ياماما ، عريس تاني وده من طرف مين المرادي .. انا قولتلك مليون مره انا مش عايزه اتجوز بالطريقه ديه ، غير انك مستعجله ليه علي جوازي انا لسا عايزه أحقق مستقبلي
تجهمت ملامح “فاطمة” وهي تستمع لعبارتها ، فعن أي مستقبل تتحدث به أبنتها ..، ومنذ أن تخرجت من كلية الهندسة “قسم الاتصالات” جلست جوارها خائبة الرجا لا تفعل شئ سوا قراءة الكتب والغوص في الخيال
– مش موافقة اقابل العريس يا ماما ، وبقولها ليكي أه ، عشان متجبيش عريس تاني ومتحرجيش نفسك مع حد
ازداد حنق “فاطمه” ثم نهضت تلتقط ببعض الكتب والروايات التي تتناثر علي درج مكتبها
تهتف ساخره
– : ما اه باين المستقبل يابنت بطني ، عايشالي في الخيال ..، متخلنيش أحلف يا صفا إني احرقهوملك
تمتمت السيدة “فاطمة” عبارتها الأخيرة بوعيد ، ولكن عندما رأت نظرتها الكسيرة ..، تراجعت وتنهدت بتعب ، فابنتها عنيده كحالها في شبابها :
انا وابوكي يابنتي نفسنا نخلص من حملك لراجل يصونك .. خايفين عليكي من الدنيا وانتي ولا ليكي اخ ولا ليكي اخت
وهكذا كان الحديث الذي تكسب فيها السيدة “فاطمة” قلب أبنتها وتعاطفها ، اسرعت “صفا ” في الأقتراب منها ، تضمها بقوة خوفًا من الفقد الذي تتحدث عنه والدتها
: بعيد الشر عليكم ياماما ، متقوليش كده ، انا هعمل كل اللي يريحك ولو علي الروايات والقرايه خلاص مش عايزاهم ومن بكره صدقيني هنزل أدور علي شغل .. بس بلاش الجواز اللي بطريقه ديه ياماما
فابتعدت عنها السيدة “فاطمة” تنظراليها بسعادة لرضوخ ابنتها الحبيبة ، ثم أحتضنها بقوة : انا مش عايزاكي تشتغلي ، انا عايزه يبقي ليكي بيت وزوج اطمن عليكي معاه
مالبثت أن انتهت من السيده “فاطمه” من عبارتها حتي تعالا رنين هاتف “صفا”
جنه : انتي طلعتي أرحم من عمتك ياصفا ، عمتك جيبالي عريس وبتقولي لازم اتجوزه ..
طالعت “صفا” نظرات والدتها المحدقه ، ثم تعالا الحنق فوق ملامح وجهها وهي تستمع لضحكات أبنتها وتلك النظرة التي ترمقها بها.
………………………………………………………….
انتهي العرض ،وبكده اكون وضحت ليكم كل حاجه!
فتنفتح الانوار فجأه ، ونظر كل الجالسين ، وقد أخذوا يُطالعوه بعينين منبهرة لما قد عُرض من خطة لبداية فوريه في مشروعهم الذي تم توقيعه وجاء وقت البدء علي ارض الواقع، وقف عامر مصفقاً بحرارة وفخر لشقيقه
عامر :هايل يابشمهندس ، تطلع محنك ، ومخطط هندسي علي أعلي مستوي حتي جدولة الربح والتكلفه ممتازه
ليجلس أحمد بإسترخاء علي مقعده كفرد من أفراد مجلس الأداره ويمد يده بالاوراق التي تخص المشروع
أحمد : أنسه دينا هتوزع علي حضرتكم كل التفاصيل اللي تقدروا تقيموا بيها المشروع
وينتهي أجتماعهم المغلق ،ويغادر الحاضرون قاعة الاجتماعات وهم يتهامسون ، ويبقي أحمد واقفًا يجمع اوراقه ليغادر ايضا
فقترب عامر منه بسعاده : انا النهارده فخور بيك يا احمد ،وتأمل عامر ساعة يده الفاخمه بهدوء
عامر : اوعاك تنسي عشا النهارده ، مع محسن باشا وفريدة ..، وحاول تدي نفسك فرصة وتقرب من فريدة يا احمد وتنسي الماضي
والماضي الذي يتحدث عنه شقيقه ، مهما مرت السنين لن يستطيع تجاوزه ..، لقد خسر محبوبته وزوجته ، خسرها قبل أن يمنحها ما تستحقه.
الفصل الثاني
*****
ذهبت “صفا” لعرس رفيقتها، وقد سمحت لها والدتها ، لعلها تشعر بالغيرة من رفيقاتها، وتقبل بالعريس الذي سيتقدم له بعد غد، بعدما أتفقت والدتها مع جارتها علي هذا الموعد.
التعمت عيناها بانبهار ، وهي تري سعادة صديقتها ..، وقد رفرف قلبها بمشاعر التوق لتصبح يوماً عروساً ، بل إنها تخيلت هذا اليوم ..، فادركت تلك اللحظة إنها بالفعل لا تنتظر رجلاً لن يمت بالواقع بصلة , ولا ذلك الكاتب الذي تعشقة دون سبب ، ولكن كل ما تتمناه أن تجد ما يُحرك قلبها ويدق من أجله ، وستنسي كل عالم الخيال وستعيش معه الواقع.
سافرت بخيالها نحو قصة حب صنعتها في عقلها ، وكالعادة الأحلام تأخذها لأعلي , لتأتي لحظة الإفاقة وتهبط علي سطح الأرض ولكن تلك المرة هبطت مفزوعة تشهق بذهول ، وهي تري أحد الصغار يسكب عليها كأس المياة الغازية بعدما تعثرت قدمه بأحد أسلاك الإضاءة و والدته تركض خلفه ، وتصرخ باسمه
– أنا اسفه جدا
هتفت المرأة عبارتها ، ثم التقطت ذراع صغيرها تسحبه معنفة له ، دون قول أخر لها بعد أتسعت البقعة فوق فستانها
– بدل ما أرجع لبطة بعريس زي ما بتتمني ، هرجع ليها بالبقعة ديه
تمتمت عبارتها مستاءة ، وهي تنهض عن مقعدها تنظر نحو البقعة التي لطخت ثوبها ، ثم ودعت رفيقاتها من أيام الجامعة .
……………… …………………
ووسط مجموعة ممن يُماثلوه عمراً ومكانة ، كان يجلس “عامر” ضجراً من تلك السهرة التي لا تروق له ولكن يأتيها أحياناً حتي يرفه عن نفسه ويخرج من زي رجل الأعمال.
كانت هذه السهرة تضم الأصدقاء للترفيه بعيداً عن زوجاتهم .., نساء تحاوطهم حتي يتمتعن بلمسات ومداعبات وضحكات ليس إلا ..، داعبت إحدي النساء عنقه ، وقد كان يجلس بهيبته المعتاده, يحتسي مشروبه الخالي من الكحول, و يرمق بعض الأصدقاء ساخراً ، من سيل لعابه وهو يُلامس بكفه ظهر تلك الفتاه العاري ، وينظر لما اسفل عنقها
– والباشا هيفضل بعيد عننا كتير
هتفت احداهن عبارتها ، فالتفت نحوها ، بعدما دفع يدها بعيداً عنه متمتماً
– الباشا مستغني عن خدماتك
أزدادت لوعة ورغبة وهي تري تمنعه ، فجلست جواره تفرض وجودها
– ليه كده بس يا باشا ؟
رمقها “عامر” حانقاً ، وحاول النهوض حتي يرحل بعدما ازداد ضجره منها ، ولكن وجدها تلتقط كفه ، وتسبل أهدابها راجيه
– خلاص يا باشا هبعد عنك ، مدام وجودي ضايقك
كانت تظن أنها بنبرتها المستكينة ، الناعمة ستستطيع جذبه ..، ولكنها لم تكن تعلم أنها أمام أشد الرجال صلابة خاصة إذا رأي نظرات الوداعة من النساء
أطال النظر إليها ، وقد ظنت إنها استطاعت جذبه وتحريك غريزته ، ولكن الصدمة اعتلت ملامحها وهي تراه يخرج حفنة نقود من جزدانه ويلقيهم نحوها.
………… …………….
هل اليوم سيأتي ذلك العريس التي جلبته احدي جارتها ، تنهدت “صفا” حانقة ، وقد أنهت كل ما أمرت به والدتها ، ثم تنهدت بخيبة امل من استسلامها لمقابلة ذلك العريس المرحب به من قبل والدتها ووالدها … وانفردت بغرفتها أخيراً ، ثم امسكت بأحد اقلامها لتلون احد كلماته وقد سطرها في كتابه
لو كانت النجوم قريبه منا , نمسكها بيدينا، ما احس أحداً بصعوبه نيل بعض الاشياء ،ولو كان القمر ظاهراً لأعينا بشكله المعتم ما وصف به المحب حبيبته ،فجمال الاشياء ببعدها وجهلها !
افاقت من شرودها علي صوت هتاف والدها بها، فاغلقت الكتاب وخرجت سريعاً من غرفتها تعانقه كعادتها حينما تضجر او تحزن من شئ
حسن : اوعي تزعلي مننا ياصفا ، انا عارف انك مش موافقه علي العريس ونفسك تتجوزي الانسان اللي رسماه في خيالك بس ياحببتي عمر الواقع مابقي خيال ولا خيال بقي واقع
فابتعدت “صفا” عن والدها تلتقط كفيه, تقبلهما
– حببتي أيدي فيها شحم
فتمسحت به “صفا” مازحه
– ده أحنا نبوس الأيادي والرجلين ..، والعفريته كمان يا أسطي حسن
كان “حسن” يعمل مصلح للسيارات ..، ابتسم الأسطي “حسن” وهو يجد صغيرته التي ستظل دوما هكذا أمام عينيه مهما كبرت
– قولي بقي صلحت كام عربية ، ولا أنزل أنا بدالك الورشة وأوريك مواهبي
ضحك والدها بملئ شدقيه ، يدفعها فوق رأسها برفق
– الأسطي حسن عايز يشوفك متهنية في بيتك مع راجل ابن حلال يصونك
حكت “صفا” رأسه ، فعلي ما يبدو أن لا مفر من مقابلتها لهذا العريس
– كده هتبعني ياعم حسن وتسمع كلام بطه وتعيش جو الدراما زيها ، بس اعمل حسابك لو معجبنيش زي اللي فات هنطفشه سوا
ليحتضنها والدها ضاحكاً : علم وينفذ
ثم اردف بحنان وقد لمعت الدموع بعينيه ، ثم اسرع في اخفائها
– افضلي اضحكي علطول يابنتي فاهمه !
فابتعدت عن حضن والدها ، تنظر إليه بشك
– أنا دمعتي قريبة يا حاج ، بلاش دراما ..، لا إحنا لازم نغير بطوط ونشوف ست غيرها
صفا
هتفت والدتها باسمها بعدما التقطت أذنيها حديثها الأخير ، فاركضت من أمام والدها الذي أنفرجت شفتيه في ضحكة قوية وهو يري طفولة أبنته ومشاغبتها مع والدتها ، التي لطمت كفيها ببعضهما متحسرة علي عقلها الضائع
فاطمه : يابنت المجنونه ، حظه منيل اللي هيتجوزك يا بنت بطني
فعادت ضحكات “حسن” تتعالا مجدداً ، لتشاركه “فاطمة” الضحك ..، متمنية من الله أن يطيل عمرها حتي تراها عروساً.
…………………………… …………………………….
كان من ينظر اليها لا يظن بأن تلك السيدة الحسناء ، ذو الملامح الجميلة.. في العقد السادس من عمرها ، فبرغم مرور الزمن ظل جمالها مرسوماً فوق تقسيمات وجهها ، وكأن الجمال رافض ان يتخلي عن صاحبته
تسير بعكازها الذي يساعدها علي الحركة نحو شرفتها، تسأل خادمتها للمره التي لا تعد عن شكل حديقة قصرهم الفخم
ناهد : اوصفيلي الجنينه يا حنان
فتبتسم تلك الخادمه المخلصه لسيدتها التي لا تُبصر
حنان : ماهو نفس وصف امبارح يا هانم ، اوصفهولك تاني
فتتشنج عضلات وجه سيدتها ، وقد غامت عيناها بالحزن ..، تتذكر سنوات عمرها الماضيه
ف “ناهد” الجميلة التي كانت يوماً أمرأه يتهاتف عليها الرجال ..، اصبحت منذ سنوات ضريرة وحيدة ومنعزلة بل منبوذه من أبنها البكر
ناهد بضيق : روحي شوفي شغلك ياحنان
أنصرفت “حنان” نحو عملها بعدما جاء السيد الصغير يرمقها بنظرة امره ، حتي تترك الغرفة ، تقدم “احمد” منها بخطوات هادئه ونظرات حزينة علي والدته المنعزلة عنهم دوما في غرفتها
شعرت به ، فالتفت ناحيته تمدّ يديها إليه هاتفه باسمه: أنت هنا يا احمد
احمد : مالك ياماما بقيتي عصبيه كده ليه
تحرك احمد إليه ، يلتقط كفها ..، يساعدها في خطواتها نحو فراشها بتمهل ورفق
ناهد : ذنبها ايه حنان اشخط فيها ، كفايه هي اللي متحملاني ومستحمله ست كفيفه
فجاورها احمد فوق الفراش ، يُعانق كفيها بين كفيه ، ثم يلثمهما , يهتف بحنان : ياست الكل يعني تزعلي عيونك الزُرق الحلوين دول عشان خاطر زعقتي في حنان وقولتيلها روحي شوفي شغلك
لا لا فين ناهد هانم بشدتها وصحتها
فابتسمت “ناهد” بحنين ، متذكره حياتها مُنذ خمسة اعوام وما عصف بها
ناهد : الزمن لازم يسيب اثره يابني ، ولا الصحه بتدوم ولا المال بيدوم .. بس مين يفهم
تأملها “احمد” طويلا، يبحث عن والدته القديمة وتلك الصورة التي عاشا هو وشقيقه علي كرهها بعدما هجرت والدهما ، فوالدهم لم يكف يوماً عن رسمها لهم بصورة بشعة ..، حتي تشرب منه “عامر” حقده علي والدته ، يعلم إنها اخطأت وركضت خلف المظاهر وتركت والده في محنته ولكنها في النهاية ستظل والدته.. وقد نال الزمن منها ، فكيف يكون قاسي عليها كما يفعل شقيقه دون رحمه ؟
ناهد : هيفضل لحد امتى اخوك زعلان مني يا احمد ؟
فتنهد احمد بأسي ، ينظر طويلا إليها دون جواب ..، فبماذا سيخبرها ، فعامر قد تشرب القسوة والحقد من والدهم ومن عثرات الزمن.
…………………. ……………………..
اعترضت وثارت ولكن والدتها لم تكن تري ما تفعله إلا دلعً وقد افسدتها دلالاً ، هكذا اخبرتها والدتها بصوت غاضب ..، بعدما غادر العريس ودلفت إلي غرفتها حانقة
– سيبي البنت براحتها يا فاطمة
تهاوت السيدة “فاطمه” بجسدها الممتلئ قليلاً فوق الأريكة ..، تلطم فخذيها كعادتها حانقة
– دلعك ليها يا حسن هو اللي عمل فيها كده
طالعها “حسن”،فارتسم الحزن فوق ملامحها ..، ترفع عيناها إليه
– عايزه اطمن عليها يا حسن
– تاني يافاطمه ، يا فاطمه الأعمار بيدي الله ..
واقترب منها يُجاورها ، ثم أمسك كفيها يضمهما بحنو
– أفرض أتجوزت واتطلقت ..، هننفعها ب إيه بعد كده ..، هنقولها كنا خايفين نسيبك لوحدك في الدنيا ..، ربك مبينساش عباده يا فاطمة
أنسابت الدموع فوق خدي “فاطمه” ، هي أمرأة مؤمنة ومقتنعة بحديث زوجها ولكنها تخاف علي أبنتها بقلب أم لا تُريد سوي رؤيتها مع زوج يحميها ويصونها
– خليها تدي العريس فرصه ، ولو مرتحتش بعد كده مش هتكلم تاني يا حسن
………………………
دلف “احمد” المطعم حانقاً من إصرار شقيقه علي تلبية الدعوة التي أعتذر منها هو ..، وهو من يجب عليه الذهاب من اجل صورته أمام السيد محسن ..، تمتم داخله وهو لا يتمني أن لا تكون حيلة من شقيقه ..، أرشده النادل نحو الطاولة التي تم حجزها ..، فاقترب من الطاوله بملامح جامدة بعدما لم يجد عليها سوي “فريده” ابنة السيد محسن جالسها فوق المقعد وظهرها إليه
اقترب بخطوات هادئه ، يزفر أنفاسه بضيق ..، فمتي سيبتعد “عامر” عنه ويكف عن اختيار العروس المناسبة له
– مساء الخير
ابتسمت “فريده” عند سماع صوته ، والتفت إليه ثم نهضت عن مقعدها تمدّ له كفها ،وبلباقة كان يُجيدها ..،تاركاً حنقه جانباً
– اسف علي التأخير
– متعتذرش يا بشمهندس ، أنا اللي جايه بدري عن ميعادي
جلس قبالتها مُتجاوزاً حديثها ..، متسائلاً
– نطلب الأكل
شعرت “فريده” بالحرج من معاملته الجافة ..، وحاولت أن تتخطي الأمر ..، فما تعلمه عنه يؤكد لها بأن شخصيته هكذا وليست وحدها من يخصها بتلك المعاملة
– اوك
شرعوا في تناول وجبتهم ، ومهما حاولت الحديث عن أي موضوع ..، كان يُجيبها ببضعة كلمات
– تعرف أني معجبة بشخصيتك جدا يا بشمهندس
رفع عيناه إليه ، بعدما مضغ الطعام وارتشف من كأس الماء بضعة قطرات
– أنا عارفه إنك ممكن تقرل عليا جريئة ، بس أنا أتعودت علي الصراحه
أبتسم مجاملة لها ، فابتسمت هي الاخري
– أتمني أتعلم من خبرتك في السوق يا بشمهندس ، وتنسي أنا بنت مين ..، زي ما أنت كمان بتنسي في الشغل اسم عيله السيوفي
ولثاني مرة كان يُعجب بحنكتها في الحديث ، أتسعت أبتسامته وقد ظنت إنها وصلت لبداية الطريق ولكنها كانت بعيده تماماً عن هذا
– وأنا سعيد بكلامك ده يا بشمهندسه ، لأني معنديش مجاملة في الشغل
مر الوقت وفريدة بذكاءها ولباقتها ..، استطاعت أن تجد حديثًا تتجاذب به معه ولم يكن الحديث إلا عن عمالقة الكتاب سواء شرقي او غربي
ضحكت وهي تري نفسها أصبحت جاهلة بمعلوماتها الضئيلة عن الأدب ..، رغم إنها اظهرت إليه في البداية مدي شغفها
– أنا مقدرش أوصل ليك يا بشمهندس ، أنت ماشاء الله موسوعه
ابتسم “احمد” علي اطراءها ، دون أن يُخبرها بهويته المستعارة
– معلوماتك مش ضئيلة ولا حاجة
– اعتبر أني فيا أمل
واسبلت أهدابها إليه في رقه ، فارتشف قهوته بعدما شعر أن الأمر سيأخذهم لبداية لا يُريدها
انتهي اللقاء وقد حاولت “فريدة” بشده استمالة قلب “احمد”.
…………… ………..
ابتسم “عامر” بعدما طالت سهرة شقيقه ، رمق ساعته قبل أن يصعد الدرج ولكن توقف مكانه وهو يستمع لصوت شقيقه الساخر
– مش معقول عامر باشا مستنيني بنفسه ..، ولا مستني تعرف نجاح خطتك
تجهمت ملامح “عامر” ، فاقترب منه “احمد”
– عيب يا باشا تلعب معايا كده ..
– العب معاك
تمتم بها “عامر” حانقاً ، فتنهد “احمد” ضجراً
– كفايه يا عامر ، ارجوك كفايه ..قولتلك اني هفضل عايش علي ذكري مها ، أنت ليه مش عايز تفهم
– انت بتعلي صوتك عليا احمد
تنهد “احمد” بأسف ، يرمق شقيقه
– أنت عارف مكانتك كويس عندي يا عامر
وقبل أن يتجه نحو غرفته ، وقف علي احدي درجات الدرج
– سيبني دافن نفسي في العالم بتاعي يا عامر ..، زي ما أنت دافن نفسك في الماضي ومازلت بتحمل أمك ذنب دفعت تمنه
تجمدت ملامح “عامر”، بعدما علقت عيناه بشقيقه .. وبعدما كان جسده يستجدي الراحه ..، عاد عقله للماضي الذي لم ينساه رغماً عنه.
…………………………… ………………………..
دلفت عمتها غرفتها بعدما علمت بعودتها من ذلك اللقاء ..، استمعت لاسمه وهي تري أبنة شقيقها تُحادث إحدي صديقاتها عنه ..، اسرعت “فريدة” في إنهاء محادثتها بعدما رأت عمتها تجلس جوارها وعلي شفتيها أبتسامة سعيدة
– مش معقول كريمة هانم في اوضتي
دفعتها عمتها برفق ، قبل أن تندفع لأحضانها
– حبيبت عمتها ،اللي بقت تخبي حاجات كتير عنها
ابتعدت عنها “فريدة” تطرق رأسها ، فابتسمت “كريمة” متسائله
– قوليلي عرفتيه أزاي ،وابن مين ، وأمتي هيجي يتقدم ل بابا
– يتقدم مرة واحدة يا كريمة هانم
هتفت بها “فريدة” وهي تضحك ..، فطريقها مع “احمد السيوفي” ، مازال طويلاً
– كل ديه اسئلة يا عمتو
– والأسئلة لازم يكون ليها إجابة
تمتمت السيدة “كريمة” بحب حقيقي لأبنه شقيقها التي ربتها، بعدما تركتها والدتها بعد أنفصالها عن شقيقه
– ده اخو عامر السيوفي شريك بابا لو تسمعي عنه
ضيقت “كريمة” عينيها تُحاول تذكر الاسم ..، فلمعت عيناها بصدمه وهي تتذكر نية شقيقه في تقريب أبنته من “عامر” وليس شقيقه
– أنتي عارفه إن بابا كان عايز يقربك من عامر مش من احمد
لم تنصدم ملامح “فريدة” ، فهي كانت تعلم بنية والدها ولكنه في النهاية رضخ لقرارها
– بس أنا اعجبت ب أحمد يا عتمو ، وبابا تفهم الموضوع
ارتاحت عمتها عندما استمعت لقرارها
– كنت خايفه ل محسن يعرف يقنعك ، إن عامر هو السلطة وتدفني نفسك مع راجل فرق السن بينك وبينه كبير وفي النهاية مش هتحصدي غير الخسارة زي ..، وكل ده عشان الفلوس
دمعت عينين “كريمة” عندما تذكرت الماضي وبزيجتها الفاشلة التي لم تثمر إلا بضياع سنوات من عمرها ، اسرعت فريدة في ضمها تشعر بالحزن علي حال عمتها
– أنسي يا عمتو
تمالكت “كريمة” دموعها ، تنظر لأبنة شقيقه بحب
– خليكي ديما قوية يا فريدة ، اوعي في يوم حد يتحكم فيكي
وفريدة كانت لا تحتاج لنصيحة عمتها ، هي أبنة محسن الصواف ، ورثت طباعه و وحيدته التي يتنازل من أجلها عن أي شئ
– احكيلي بقي عن احمد ده
تراجعت “فريدة” للخلف ، تستند بظهرها فوق وسادتها وتعبث بخصلاتها بحالمية متمتمه
– تقيل أوي ، ومثقف اوي .. وجميل أوي
التمعت عينين “كريمة” وهي تستمع لوصفها
– أنا عرفت دلوقتي ليه عجبك …
ثم هتفت بنبرة صوتها تُقلدها
– عشان تقيل أوي مش كده
اسرعت “فريدة” في الاعتدال من رقدتها ..، تُطالع عمتها بعدما تذكرت تلك القصة التي علمتها عنه وعن حبه القديم بفتاة ليست معروفة في وسطهم
– كان بيحب بنت زمان يا عمتو ، سمعت إنها ماتت ومن ساعتها قافل علي نفسها
طالعتها “كريمة” قليلاً ، تنظر إليه
– والمفروض أنتي دلوقتي تعرفي كل حاجة عن البنت ديه مش كده يا فريدة
– محتاج أعرف ليه حبها ومن ساعتها قافل علي نفسه
– بلاش يا فريدة تفتحي الدفاتر المتقفلة
……………………….
كانت زغاريط والدتها تعم المنزل ، والفرحه لا تسع عينيها
فتهتف فاطمه بسعاده : مبرووك ياحببتي ، يااا يا بنتي متعرفيش سعادتي أد إيه النهارده وإحنا نازلين نجيب الشبكة
صفا : مش مرتاحه يا ماما ، ارجوكي بلاش
زفرت “فاطمة” أنفاسها حانقة ، من حال أبنتها المتقلب
– عريس ، تتمناه أي بنت .. محاسب في مكان ليه وضعه وعنده شقيته وعربيته ..، تقوليلي مش مرتاحه
– هو الجواز شقة وعربية يا ماما
هتفت بها “صفا” وقد عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها ..،فمهما حاولت أن تشعر بالسعادة والتأقلم كباقي الفتيات كما أخبرتها والدتها ..، كانت تشعر بالسوء
احتضنتها “فاطمه” بحنان حتي لا تضغط عليها أكثر
– لا طبعا يابنتي ، اهم حاجه عندي راحتك وسعادتك
حاولت صفا أن تجد لها مخرجاً ، رغم أستحاله الأمر :
– طيب خلينا نتعرف الأول قبل ما نجيب الشبكه ..، مش يمكن ميطلعش في بينا توافق في الفكر
ابتعدت عنها السيده “فاطمه” وقد علمت أن ابنتها لن يجدي نفعاً معها الحديث برفق
– توافق في إيه ..، في الفكر يا بنت بطني ..، قومي ألبسي طرحتك خلينا ننزل نقابل أم العريس
وقد تم ما أرادته “فاطمه” بالفعل .. ، هبطه من البناية التي يقطنون بها ..، فوجدت والدها يمسح يديه من شحم السيارات واقترب منها هامساً
– هوديها المرادي عشان خاطري يا صفا
– والمره اللي جاية
تسألت بهمس كهمس والدها، وقد وقفت والدتها جانباً ، في ضجر تنظر إليهم بشك
– هتجيبلها أنتي العريس ونرتاح
ضحكت رغم عنها ، اً وقد تبدلت ملامحها من العبوس وهي تستمع لمزاح والدها
– هموـ,ـت واعرف بتتكلموا في إيه من ورايا
فابتعد “حسن” عن أبنته واقترب من زوجته الضجرة ، التي وقفت تنتظر جارتهم قبل أن يلتقوا بوالدة العريس لأنتقاء الشبكة
– بقولها أنك بتصغري وتحلوي يا بطه
………………………. ………………………………
دلف مكتبه بعدما أخبرته سكرتيرته بوجودها ، نهضت عندما انتبهت عليه وتركت الأوراق جانباً هاتفه
– عدلت المخططات المطلوبه مني
مدّت له الأوراق بعملية أعجبته ، فقد ظن وجودها اليوم في الشركة ما هو إلا تكملة خطوات قربها منه ..، أدهشته بارعتها فابتسم وهو يمدحها
– هايل يا فريدة
اتسعت أبتسامة “فريدة” وتستمع لمديحه ، غير مصدقه أنه جاء اليوم الذي اغرمت برجلاً ، واصبحت بضعة كلمات منه تُسعدها
– مافيش أي تعليق هتضيفه يا بشمهندس
أماء برأسه وهو يُطالع الأوراق دون النظر إليها ، مشيراً نحو جزءً بسيطً
– بس ممكن أعرف وجهت نظرك في الجزئية ديه من التخطيط
رفع عيناه نحوها ينتظر جوابها ، فتقدمت منه بسعاده ..، تنظر نحو ما يُشير إليه ..، ثم مالت قليلاً بعدما جمعت خصلاتها تنظر بتدقيق نحو ما يُريد سماع وجهة نظرها به .
اجابته عن أستفساره بدقة ومهارة ، فلم يجد ما يُضيفه ..، كانت هائمة في رائحته رغم إنها تمالكت حالها ووقفت ثابتة خلفه حتي تنال تقديره ..، ولكنها في النهاية لم تعد تحتمل تلك الرائحة التي عبأت رئتيها بعد زفرات متتالية ..،
وعلي حينا غرة ، دون أن تشعر به بعدما وضع الملف جانباً والتف نحوها حتي يعرف سبب صمتها ..، فوجدها مغمضة العينين .. فتجمدت ملامحه ونهض عن مقعده ، فانتفضت في ذعر
– أنسة فريدة
وقبل أن يُجرحها بكلمات رأتها في عينيه ، التقطت الأوراق واسرعت في لملمت شتاتها متمتمه بأعتذار
– أسفه يا بشمهندس ، سرحت شويه ..،بسبب الأرهاق
واردفت مُعللة
– فضلت طول الليل بعمل التعديلات ، فتقريباً محتاجة فنجان قهوة يعيدلي تركيزي
لم يعقب علي حديثها ، فاسرعت بخطواتها منصرفه , ولكنها توقفت في مكانها وهي تستمع لعرضه
– هطلب فنجانين قهوة لينا
التفت إليه ببطء ، فتساءل بملامح مسترخية
– قهوتك إيه
وبابتسامة واسعة ، كانت تخبره
– مظبوطه
……………… …………………
ضاقت أنفاس “صفا” ذرعاً وهي تري تصرفات والدة ذلك الذي وسمته والدتها بخطيبها .، زجرتها والدتها بعينيها ..، حتي تنظر لذلك الخاتم الذي انتاقته
– إيه رأيك يا صفا
ثم نظرة لخطيب أبنتها متسائله
– وانت يا طارق يا حبيبي ، إيه رأيك
تمتم الأخر وهو ينظر في هاتفه
– قوليلهم رأيك يا ماما
تجهمت ملامح السيدة “فاطمة” ، غير مصدقة أن الذي يقف أمامها الأن ..، نفس الشاب المؤدب الخجول الذي يفهم بالذوق كما نعتته
– وريني كده يا ست فاطمة
التقطت السيدة “إحسان” والدة العريس الخاتم ، تُقدره بكفها متمتمه بضجر
– ده تقيل أوي ، خلينا نختار حاجة أخف
ولم تنتظر سماع جوابهم ، واخذت تبحث عما تُريده ..أنتقت ما هو أخف ، والسيدة “فاطمه “وجارتها السيدة “جليلة” ينظرون لبعضهم في صمت ..، تنهدت “صفا” بضيق تجذب ذراع والدتها
– يلا يا ماما ، كفاية قلت قيمة لحد دلوقتي
– صحيح يا ست فاطمه ، هو الاسطي حسن هيهدي بنته إيه .. إحنا العيلة كلها عندنا لازم الأب يشتري لبنته طقم شبكة هدية
لم تتحمل “صفا” المزيد من صفاقة هذه السيدة وتقليلها من شأن أهلها ، فاقتربت منها ترمقها بنفس النظرة التي وقفت ترمق بها والدتها
– لا إحنا مبنجيبش هدايا دهب ،يا طنط
طالعتها السيدة “إحسان” ، تنظر نحو السيدة “جليلة” التي تمتمت بخجل لجارتها
– أنتي بتقولي إيه يا ست إحسان ، ديه صفا زينة بنات الحارة وبشمهندسه أد الدنيا ..، اخص عليكي
ونظرت نحو العريس الذي يقف بينهم وكأن وجوده لا شئ ، يمسك هاتفه بأهتمام وكأنه ينتظر خبر ما
– ما تقول حاجة يا عريس
– بتقولوا إيه ياجماعة
لم تشعر “صفا” بحالها إلا وهي تتعارك معهم ..، والسيدة “فاطمه” تصيح بأبنتها أن تتوقف ، وصاحب محل الصاغة أخذ ينظر الي أشياءه الثمينه بخوف ويهددهم بجلب الشرطة إذا لم يتوقفوا والسيدة “جليلة” تُحاول فك العراك بينهم ثم سقوطها أرضاً بعد دفعتها السيدة “إحسان” ..،
وفجأة عمّ السكون المكان ..، وصوت سرينة الشرطة تصدح بالأرجاء
الفصل الثالث
*******
طالعت السيدة “فاطمة” زوجها مُطرقة الرأس غير مصدقه كل ما حدث ، نظرت إلي أبنتها التي وقفت حانقه تُهندم من حجابها وتتأفف بضيق وكأنها ليست هي السبب في إندلاع المشكله
– متزعلش يا حسن مني ، مكنتش أعرف والله يا أخويا إن مجايب جليلة كده
– ياريت نتعلم من اللي حصل يا فاطمة ، شوفتي اخرتها أجيبكم من القسم
تنهدت بضيق وعادت عيناها نحو أبنتها التي لا تعبأ بالأمر وكأنها قد ذهبت في نزهة ، التف “حسن” نحو أبنتها يحثها علي التحرك متمتماً
– يلا يا صفا يا بنتي ، خلينا نبعد عن هنا
فتحركت “صفا” أمامهم بعدما رمقتها والدتها بتوعد ، فابتسمت وهي ترفع كتفيها عالياً ، وسارت بخيلاء تتباهي في خطواتها غير عابئة بنظرات والدتها المتوعدة
– عندك حق يا بابا
عادوا للمنزل بعد يوم لا يُصدق ..، فجلست “فاطمه” علي اقرب مقعد .. تُدلك ساقيها بعدما ازالت حجابها
– عايزه حاجة يا ماما ، انا داخله اوضتي
– هعوز منك إيه يا جلابة المصايب ، يا حرقة دمي
أرتفع حاجبي “صفا” في تعجب وهي تستمع لكلمات والدتها ، فقد بدء اليوم بمغامرة وسينتهي بعويل والدتها عن حظها ، فهمست بكلمات ..زادت والدتها حنقاً
– سيبتني معاها لوحدي ليه بس يا حسن
– فاكراني مش هسمعك ، ماشي يا بنت حسن .. ، عقابك النهاردة تنضفي المطبخ وانتي أكتر حاجة في حياتك بتكرهيها هو التنضيف
اتسعت عينين “صفا” ذهولاً ، وسرعان ما تحول ذهولها لضحكات جعلت والدتها تخلع حذائها وتقذفه نحوها
– بتعاقبيني يا بطه ، بدل ما تكوني فخورة بيا
تجهم وجه “فاطمه” وهي تستمع لضحكاتها التي لا تتوقف ، وكأنها لم تفعل شئ منذ ساعات قليلة
– فخوره بيكي يا بنت بطني!، ده أنتي دخلتي أمك القسم علي أخر الزمن
وبزهو رفعت “صفا” حاجبيها ، تشير نحو حالها في فخر
– وماله لما ندخل القسم شويه بعد ما نجيب حقنا ، ده حتي الضابط أعجب بلي عملته ..، لما فهم مني الحكاية
– وأنتي الصادقه يا بنت بطني ، الراجل كان مذهول من اللي بيسمعه
أشتاطت “فاطمه” غضباً من حديث أبنتها وقد كان نصيب فردة حذائها الأخر كحال ما سبقه ، القته عليها ..ولكن تلك المرة أستطاعت أن تتفاده بمهارة وقفزه عاليه
– معرفتيش تنشلي المرادي يا بطوط يا عسل أنت
واسرعت في الاقتراب منها ، تمسك كفيها تقبلهما بحب
– مستحملتش أشوفهم بيقلوا منك ومن بابا ..، أنا قولتلك من الأول مش مرتاحة وإنه قليل الذوق لكن أنتي مصدقتيش
هدأت “فاطمه” وفي داخلها حمدت الله ، ولكنها كانت حزينه ..، فلا شئ تتمناه بحياتها سوي أن تري أبنتها عروساً
انهالت “صفا” علي والدتها بالقبلات ،التي تضحك بها عليها ، في كل مرة تُغضبها
– شوفتي عرفت اصالحك أزاي
واردفت بعدما نهضت من جوارها
– هروح اتصل ب جنه واحكلها عن اللقاء التاريخي
– أحكيلها عن خيبتك
وصفا لا تتوقف عن إلقاء عباراتها ، التي تزيد حنق والدتها
– خيبتي كبيرة أوي يا ماما
وركضت مهرولة نحو غرفتها ، بعدما وجدت والدتها تبحث عن شيئاً أخر تقذها به
– برضوه هتنضفي المطبخ يا صفا
…………………..
توقف بسيارته أمام الموقع ينظر إليها بعدم إستحسان نحو هيئتها تلك ، توترت من نظراتها وشدت من تنورتها قليلاً حتي تُداري ساقيها
– احمد هو في حاجة مضيقاك من لبسي
اشاح عيناه بعيداً عنها ، ورغم إنه لا يُحب أن يقحم نفسه في أمور لا تخصه إلا إن الضراروة كانت تحتم عليه لفت نظرها
– لبسك ده مينفعش في الشغل يا فريدة ، اظن أنتي فاهمه قصدي
خفق قلبها وهي لا تُصدق إنه يهتم لأمرها ، ورغم إنها لم تكون يوماً ضعيفة لمشاعر الهوي التي تجعلها معه تطير هائمه بكلماته حتي لو كانت من باب النصح ليس أكثر
صمتت وقد ظنها لم تتقبل حديثه ، فتمتم وهو يفتح باب سيارته ليترجل منها
– متوعدتش أدخل في حياة حد ، لكن مدام هنشتغل علي المشروع ده سوا ، فلازم الفت نظرك يا فريدة
بهتت ملامحها ، وسقطت أحلامها معها أرض الواقع تنظر إليه وهو يضع بقدميه خارج السيارة ، اسرعت في التقاط ذراعه
– احمد أنا مزعلتش
التف نحوها ببطء وقد ضاقت عينيه وهو يرمق فعلته ، فاسرعت في ترك ذراعها
– قصدي يا بشمهندس
واردفت مفسرة ، ولاول مره تصبح هكذا بحياتها ..، تفسر أفعالها لأحد
– أنا مكنتش فاكره إننا رايحين الموقع النهارده ، لو كنت اعرف كنت حقيقي أختارت اللبس المناسب للمكان
وبوداعه كانت تسبل أهدابها ، تنتظر سماعه ، بعدما أوضحت له الأمر
– مافيش مشكله يا فريدة
ترجل بعدها بكامل جسده من السيارة ، فتجمدت عيناها نحو زافرة أنفاسها ، فقد جفاها بحديثه بعبارته التي لا تراها إلا كالسعيق.
اتبعته مسرعة بعدما استطاعت تمالك حالها ، ورغم صعوبة السير في الرمال ، إلا إنها كانت تُحاول الثبات والوقوف أمام العمال بجدية ..، رغم نظراتهم نحوهم
رمقها وهي تُلقي بعض الاوامر وسط العمال ، والبعض يتهامس عليها ..، حاول تطرد الأمر من عقله ..، فقد أخبرها ألا تذهب معه اليوم ولكنها أصرت ، ولكن كلما كانت تقع عيناه عليها ويراها كيف تتحرك بصعوبة ونظرات العمال تخترقها ..، حركته رجولته , فاقترب منها منهياً وجودهم اليوم بالموقع
– كفايه كده النهارده
تنهدت براحه ، فالشمس اليوم ساطعة بشده ، كما ان ملابسها وحذائها يُعيقاها عن الحركة ، رحبت باقتراحه وتحركت جواره بعدما أزالت خوذتها واعطتها لاحد العمال ،
ولكن فجأة كانت تخرج شهقتها وكاحلها يلتوي اسفلها ..، اسرع نحوها يلتقطها قبل سقوطه متسائلا بقلق
– أنتي كويسه
اماءت برأسها تنظر لعينيه التي تغرقها به أكثر ، ثم اعتدلت سريعاً رغم الألم الذي نغز قدمها وهي تراه يتحاشي النظر إليها
– للأسف ديه ضربية لبس الكعب العالي في مكان زي ده يا بشمهندس
وتمتمت مازحه تخفي ربكتها، وهي تري المسافه التي يضعها بينهم بعدما ساعدها
– الدرس النهارده أتعلمته كويسه
ابتسم وهو يمدّ لها يده ، فاسرعت في تقبل دعوته ومدّت يدها ..، تشعر لحظتها السيئة التي كادت أن تطرحها أرضاً وليس مجرد إلتواءً بسيط.
………………..
اصرت أن تذهب معه مكتبه ، رغم إنه عرض عليها توصيلته لمنزلها لترتاح ولكن جوابها كان
– مجرد ألم خفيف ، متقلقش يا بشمهندس ولا أنت مش عايزني أتابع معاك أي شغل
طالعها مستاءً من عنادها متمتماً بنبرة ، جعلت أبتسامتها تتسع
– عنيده
مدّت يدها له تلك المرة حتي يساعدها علي السير وقبل أن يرمقها بتلك النظرة التي يرمقها بها دائماً كانت تهتف
– كمل خدمتك يا بشمهندس ، وخليك جينتل مان
ابتسم وهو يُقدم ذراعه لها حتي تتباطأه ..، وهو لا يعرف إلا أين سيأخذه الطريق مع تلك الفتاة التي زجها شقيقه في حياته.
دلف مكتبه زافراً انفاسه ، لقد طالعه مواظفينه بنظرات ثافبه وهم يروها ملتصقة به ، كان حانقاً منه ولكن رغم ذلك كانت بارعة في جعله يتخطي حانقه منها ..، وعلي ما يبدو إنها قد فهمت طريقه
خلينا نشوف شغلنا ، بدل ما نص اليوم ضاع مننا من غير فايده ..، وطبعا أن اللي ضيعته
أكملت عباراتها بمزاح ، مما جعله يبتسم وهو يضع رسومات الموقع أمامها
– الرسومات اهي قدامك وريني ..، تطلعاتك
طالعت الرسومات ، ثم طالعته بغرور مصطنع ..، فعادت ابتسامته تشرق ملامحه
– نبدء بقي الشغل
ولم تكن إلا بالفعل بارعة و ذكية ولن يكون كاذب في حقها ..، ابتسم وهو يراها كيف تتحدث بحماس يظهر شغفها وحبها لعملها ..
توقفت عن الحديث وهي تستمع لصوت سكرتيرته تُخبره
– عامر بيه عايز حضرتك في مكتبه يا بشمهندس
اماء لها برأسه ، وهو نهض احمد عن مقعده ، ينظر إليها مُعتذرا
– دقايق وراجعلك يا فريدة
انصرف بعدما التقط احد الملفات ، وهو علي علم بأن شقيقه يُريده من أجل هذا الملف .. ، استرخت في جلستها ثم حاولت النهوض عن مقعدها حتي تسير قليلاً ..ولكن سرعان ما جلست وهي تتأوه من ألم كاحلها وقد بدء الألم يشتد
دلفت السكرتيرة ثانية تسألها عن أي شئ ترغب في إحتساءه كما أخبرها مديرها ، ولكنها اسرعت في الأقتراب منها تسألها
– في حاجه وجعاكي يا بشمهندسه
– رجلي
هتفت “فريدة” بألم وهي تدلك كحالها بعدما أزالت حذائها عن قدمها
– ثواني يا فندم ، هجيبلك تلج يمكن يخفف الألم شويه
وبالفعل اسرعت في جلب لها الثلج ، وعادت إليها تعطيها قطعة ثلج ، داخل غطاء بلاستيكي ..، التقطته “فريده” شاكرة ..، فدلف “احمد” ينظر إليهم بترقب ، غادرت السكرتيرة الغرفة عندما دلف مديرها ورمقها بنظرات مستفهمه ولكن الإجابة كانت واضحة إليه وهو يتخطاها مُقتربً من فريدة المنحنية قليلا وتدلك كاحلها بقطعة التلج
– كان عندك حق لما قولتلي بلاش اعاند واقبل توصيلتك
– أنا بقول نروح لدكتور افضل
رفعت “فريده” عينيها إليه ، ثم عادت تدلك كاحلها
– مافيش داعي ، أنا هكلم صديقه ليا تعادي عليا تاخدني
ثم عادت ترفع عيناها إليه ، ولكنها شعرت بالصدمه وهي تراه يجثو أمام مقعدها ويرفع ساقها برفق حتي يري اصابتها
سلبت فعلته أنفاسها ، وخفق قلبها وهي تراه هكذا ، اغمضت عينيها قليلاً متأوه وهي تشعر بحركه أنامله فوق قدمها
– كدمة بسيطة يا فريده متقلقيش
دلكها لها لدقيقة ..، جعلتها كالضائعه ..، لا تستوعب أن لمسه منه هكذا ستاخذها لعالم أخر
وقف “عامر” مكانه وهو يمسك الملف بين يديه غير مصدقاً تطور علاقتهما بتلك السرعة ، لمعت عيناه بالأرتياح ..، غادر الغرفة في صمت كما دلف وابتسامته تشق شفتيه ..، فاخيراً مال قلب شقيقه.
……………….
– مش عارفه أعمل إيه مع ماما يا جنه ، طيب ما أنتي أه البنت الوحيده لعمتي ومخلفوش غيرك ، رغم ذلك عمتي مش بتتكلم معاكي في موضوع الجواز وديما مخوفاكي من بكره
وتنهدت بانفاس مثقله من الخوف، تُخبر رفيقتها الوحدية وابنه عمتها بما يعتلي فؤادها
– أنا بقيت أخاف من بكره يا جنه
زفرت “جنه” أنفاسها وهي لا تعرف بما تُجيبها
– جنه أنتي نمتي وانا بكلمك
ابتسمت “جنه” علي مشاكسة “صفا” ، فحتي في احلك الأوقات صعوبه ..، تتمازح
– لا منمتش ، بس سرحة في طبق البيض اللي قدامي
اعتدلت “صفا” فوق فراشها ، تحك فروة رأسها حانقة
– بكلمك عن أوجاعي ، تقوليلي طبق البيض
واردفت بمقت قبل تنهي تلك المكالمة ، التي في العادة لا تجدي بنفع
– أنا مش عارفه ليه مستحملاكي في حياتي يا جنه
اخرجت “جنه” لسانها وكأن “صفا” بالفعل تري ردة فعلها متمتمه
– عشان بتحبيني
تعالت ضحكات “صفا” ، والتقطت الوساده تضعها فوق حجرها
– بنت عمتي الصيدلانية العظيمه ، بتهزر
انفرجت شفتي “جنه” في ضحكة صاخبة ، اعقبتها صراخ والدتها بها ..، اسرعت “جنه” في كتم ضحكتها هامسه
– عمتك بتحبيني أوي
– جنه ، أنا محتاجة حل
والحل لم يكن إلا أن تبحث عن وظيفها
– لازم تدوري علي شغل يا صفا ، مافيش حل غير كده صدقيني ..، لازم تخليهم يحسوا انك قوية ومستقله ومش لازم تتجوزي عشان تحمي نفسك من الدنيا ..
واعقبت حديثها بمزاح لا تجيده إلا معها
– الفلوس جميلة يا صفا ، بتجيب عربيه وحاجات كتير ..
همهمت “صفا” حالمة بالمستقبل والمال يُغرقها
– وفيلا بحمام سباحه ، وشاليه في الساحل
لم يشعروا بصفاقة أحلامهم ، عن مجرد وظيفة لم تأتي بعد ..، إلا عندما صدح صوت صراخ السيدة “فاطمه” تلك المرة.
………………
وقف “عامر” في بهو الشركة ، يُطالع بضعة أوراق قد أعطاه لها أحد الموظفين قبل خروجه من الشركة …، كانت عينين الموظف الواقف جواره ..، تدور هنا وهناك ..، وكل صدرت حركة ما ، كان الواقف يلتف بذعر ، رمقه “عامر” خلسة وهو لا يفهم سبب ذعره وتوتره ولكن فجأه خرج صوته رغما عنه
– مازن
التف “عامر” نحو الجهة التي تحرك إليها موظفه ، فوجدها ينحني نحو طفلاً صغيراً وجواره إحدي موظفات الاستقبال وعلي ما يبدو أن الطفل كان معها ، تعلقت عينين “عامر” بالمشهد وهو يري الصغير يطرق رأسه أمام والده ..، رغماً عنه كان يبتسم بل ومشاعر أخري اقتحمت فؤاده ..، مشاعر لم يسعي لتجربتها والسبب كانت والدته ..
تقدم منه الموظف بخطوات سريعة ، معتذراً
– أنا أسف يا فندم ، حقيقي أسف
واردف معللاً سبب وجود صغيره
– والدته تعبانه ، واهلنا بعيد عننا ..، فاضطريت اجيبه معايا النهارده
اخذ يعتذر بشده والعرق يتصبب فوق جبينه من شدة توتره ، ف “عامر السيوفي” معروف بشخصيته الصلبه ، الجامده
– مافيش مشكله يا أستاذ حسام
تمتم بها “عامر” ، ثم اغلق الملف واتجه نحو الصغير الذي ظل واقفاً منكس الرأس ،اقترب منه تحت نظرات السيد “حسام” المتعجبة ، وانحني صوبه قليلاً يمسح فوق خصلات شعره الناعمه..، اسرع “حسام” نحو رئيسه مجدداً وقد تفاجأ للمرة الثانية ..، أن هذا الرجل يحمل مشاعر وليس كما يظنوه
– ربنا يخليهولك
وانصرف بعدما قرص أحدي وجنتي الصغير بخفه .
……………..
تناولت بضعة لقيمات سريعه وهي واقفه وهتفت بعدما أرتشفت بضعة رشفات من كأس الشاي حتي تبتلع اللقمة التي حُشرت بحلقها
– ادعيلي يا ماما أتقبل في الشغل
وقفت “فاطمه” علي أعتاب الباب تدعو لأبنتها ، تتمني من الله أن يسعدها ويوفقها ..، هبطت لأسفل تصطبح بوجه والدها البشوش بعدما خرج من اسفل السيارة التي كان يُصلحها
– ربنا يفتحلك أبواب الرزق يا بنتي
اسرعت في الاقتراب منه ، تلثم خده ، فصرخ بها وهو يبعدها عنه ، خائفاً علي ثيابها من الشحم العالق به
– كده هتبهدلي لبسك النضيف يا بنتي
– فداك كل اللبس اللي بتدفع تمنه يا احلي واجمل اسطي حسن في الدنيا
ابتسم “حسن” وودّ لو عانق أبنته بقوه تلك اللحظه ، إنها نعمة وهبها الله لهم بعدما ظلوا بضعة سنوات ينتظرونها ، اخرج النقود من جيبه يعطيه لها متسائلا
– عايزه فلوس تاني يا بنتي
– اكتر من كده يا اسطي حسن ، ده أنا حتي ناوية ادلع نفسي واروح المقابلة بتاكسي
واسرعت في أقتناص قبلة أخري من خده الاخر هاتفه قبل أن تنصرف بمشاغبتها
– عشان الخد التاني ميزعلش
……………
شعرت بالرهبة وهي تتقدم لداخل الغرفة الواسعة ، لم تكن تظن إنها بحاجة للباقة عملية قوية ، أو تكون ذا صلة بمن يعملون بالمكان حتي يسهلوا لها الطريق ..، كما رأت من سبقتها تُعامل بأهتمام ..، مرة المقابلة ببضعة اسئلة وكان اهم سؤال طُرح عليها ..، لما لم تعمل منذ أن تخرجت ورغم إنها كان لديها مهارة بتعلم اللغات بجوار شهادتها ..إلا أن العبارة التي كانت تتوقعها اخبرتها بها الموظفة ، التي اعطت لهم ملئ استمارة
– أن من سيقبلون بهم ، سيحادثوهم
عادت لمنزلها بوجه حزين ، فطالعتها والدتها متسائله
– مالك يا صفا ، متقبلتيش في الشغل يا بنتي
القت حقيبتها جانباً وهوت فوق الأريكه تضع رأسها فوق فخذ والدتها
– قالولي هيكلموني ، بس متوقعش أني هتقبل
– متقوليش كده يا بنتي ، بكره يكلموكي وتقولي بطه قالت
وقد أتي الغد ، ولم يُحادثها أحداً ..، فنظرت نحو والدتها مازحه ، وهي تلتهم قطعة الدجاج
– مكلمونيش يعني يا ماما ، خسرتي يا بطه
طالعتها “فاطمه” حانقه ، والتقطت طبق طعامها من أمامها متمتمه
– ما انا قولتلك اتجوزي ، قال يعني الشباب لاقيه شغل عشان تلاقي يا بنت بطني
– ديما مزعلاني منك يا بطه
ومدّت يدها تلتقط الطبق الذي أخذته منها للتو مُعاقبة لها وهي تحرك حاجبيها تُشاكسها، ولكن كف والدتها كانت أسبق منها ..،حيث صفعتها فوق كفها بقوه ، فهتفت “صفا” متذمرة كالأطفال
– هاتي الطبق يا بطه
لم يتمالك “حسن” ضحكاته كالعاده من مناقرتهم التي لا تنتهي
– شوف دلعك فيها هو اللي مقوي البت ديه عليا ..
– بتهزر معاكي يا بطه
فاندفعت “صفا” نحو احضانها تقبلها وتشاكسها كعادتها
– بتزعلي مني يابطوط ، ده أنا حتي ناوية أجبلك الخضار بكره من السوق
…………..
شعرت بالصدمه وهي تقرء كل ما هو مدون أمامها ..، لا تُصدق أن “احمد السيوفي” كان متزوجاً بفتاه بالسر مثل تلك ، فتاة كانت بلا عائلة مشرفة ..، أب يحتسي الخمر ويتاجر في المخدرات ويتعاطاها ، وشقيق قد مات والشرطة تطارده
تركت الورق جانباً تمسح فوق خصلاتها المنسدلة فوق كتفيها تردد في صدمه مازالت تمتلكها
– مش معقول تكون كنت متجوز واحده زي ديه يا أحمد
…………..
طالعت الروايات المرتصه فوق سطح مكتبها بشوق ، ثم قضمت قطعة الخيار تلوكها داخل فمها متمتمه
– ركزي يا صفا ، أنتي دلوقتي بتدوري علي شغل عشان مستقبلك ..، نلاقي شغل الأول بعدين نرجع لعالم بتاعنا
اخذت تحث نفسها علي الصمود ، لانها أكثر دارية بحالها ..، فإذا عادت وانغمست في عالمها مع كلمات كاتبها المتيمه بها ..، ستظل هكذا حبيسة غرفتها وتنتظر ذلك الفارس الذي سيخرج لها من بين السطور..
عادت تُركز في شاشة الحاسوب ، تُحاول قراءة إعلانات الوظائف المعروضة ..، نظرت للورقة التي جمعت فيها الإعلانات ..، عازمه علي عدم اليأس حتي تجد وظيفها تعول بها حالها وتخفف عباءها ولعلها تجد فارس الأحلام كما أخبرتها والدتها و جنة ، حينا تجد تخرج من غرفتها
………….
نظرت لأاوراقها بعدما أخذها الموظف منها ومزقها لنصفين ، بعدما أصرت علي مقابلة موظف التوظيف ..، لقد رأت الأعلان منشور أمس ..، فكيف وجدوا الشخص المناسب بتلك السرعة ليتم تعينه ..، توقف الحديث علي طرفي شفتيها وهي تري الموظف يُغادر من أمامها ..، فاقت اخيراً من صدمتها ولكن الموظف أختفي من أمامها
سارت بخذلان خارج الشركة ، ولم يهتم احداً لأمرها ، فالكل يتحرك لأنهاء عمله او الثرثرة مع رفيقه او رفيقته بالعمل
طالعت الشركة قبل أن تهبط الدرجات القليلة ، ثم بصقت عليها غاضبه..، لم تنتبه علي خطواتها , فنزلقت قدمها وكادت أن تهبط تلك الدرجات علي وجهها ولكن لولا ارتطامها بذلك الشئ الصلب ما كانت نجت من السقوط
– أنتي كويسه يا انسه
ارتبكت “صفا” من وضعها بين ذراعيها ، فدفعته عنها بقوة واسرعت بخطواتها مبتعده بعدما تمالكت حالها ..، التف الواقف ببطء وقد اعتلت ملامحه الدهشة من تصرفها
اكمل “احمد “خطواته بعدما هندم بذلته المنمقة ..، فلم يأتي لشركة “محسن الصواف” إلا من أجل أجتماع جعله شقيقه ينوب عنه
…………
نظر اليها “عم محمود طويلا” بعدما طال شرودها وهي تتأمل بعض الكتب والمجلات حديثة الاصدار
عم محمود : مالك ياصفا يابنتي ، مش مبسوط ليه، شكلك كنتي في مكان وراجعه منه متضايقه
فتنهدت “صفا” عدة زفرات متتالية ، تحمل يأسها :
– مافيش شغل، مافيش شغل كله بالوسطه
عم محمود : كلها أرزاق يابنتي، اسعي تاني واكيد ربنا مش هيسيبك
وانحني صوبها قليلا يربت فوق ظهرها بحنان أبوي ، ثم التقط احدي المجلات القابعة علي تلك المنضده الخشبيه المتهالكه
عم محمود ، وهو يشير نحو المجلة ويعلم كم سيسعدها الأمر :
– فيها اخبار عن كاتبك المفضل (مراد زين )
فيتلاشي عبوس “صفا”، وتتهلل اساريرها بغبطة ، وهي تلتقط منه المجله التي تتحدث عن كاتبها المتيمه باعماله ..
طالعت بعض عباراته المصُرح بها عن اخر إصدار ورقي تم نشره وصور لبعض من الاشخاص الذين حصلوا علي توقيع منه بواسطة دار النشر التي لا يطبع إلا لها.
رمقها “العم محمود ” وهو يري سعادتها العجيبة علي من يراها، ولكن هو كان يعلم مدي عشقها لهذا الكاتب ثم تمتم ضاحكاً:
– الكاتب المجهول (مراد زين)
فاماءت “صفا” برأسها وتنهدت بحالمية وعادت تشرد في عالمها مع سطوره وتصريحاته – رجعتني للخيال ليه تاني ياعم محمود
هتفت بها وهي تسبل أهدابها ، فنفرجت شفتي العجوز بأبتسامة واسعة علي هيئتها :
– لو عايزه المجلة خليها معاكي ، عارفك بتحبيه قد ايه وبتحبي كل كلمه بيكتبها
فرفعت عيناها نحوه ، وقد نهضت عن المقعد الجالسة عليه متمتمه بحماس
– والله أنت راجل طيب يا عم محمود
والتقطت منه المجلة بطفولة تليق بها
– محدش هيونسني غيره ، بعد رحلة البحث عن عمل .. اه بدل ما اكتئب , اعيش مع الخيال شوية
ثم ودعته هاتفة : سلام ياراجل ياطيب
………………………………………………………
هناك شعور غامض كان يجثم فوق صدرها ، لا تعرف مهيتها ولا لما بدأت دقات قلبها تتسارع هكذا وأنفاسها تُسلب منها ..، ثقلت خطواتها ومهما قاومت ذلك الشعور ..، كان يعود ويقتحم قلبها ..، يُنبئها أن هناك ما ينتظرها.
سكنت مكانها وهي تري سيارات اسعاف وعربات شرطه تقف .. وغبار يحاوط مدخل حارتها والناس يركضون ويلطمون كفوفهم ببعضهم
اغمضت عينيها حتي تتضح لها الصورة ولكن الصورة كان واضحة وهي تستمع لحديث الناس ، ركضت صارخة غير مصدقة ما سمعته ..، ولكن ما رأته كان هو الحقيقة ..، اشتدَّ الصراخ حولها ولكنها لم تكن تعلم اهو صراخها أم صراخ من حولها ..
– لااا
وضاعت بعدها في عالمها المظلم ، عالم قد خلي من أغلي ما ملكته وها هي الحياة تعلمها أقسي الدروس
الفصل الرابع
**********
عندما يخبروك أن هناك شطراً أخر من حياتك ستعيشه ، صدقهم ..، لا يختار أحداً فصله الجديد من رحلة الحياة ..، ولكن هناك ما تخبأه لنا الحياة في دفاترها.
وقفت “صفا ” تمسح دموعها بعدما توقفت قليلاً تلتقط أنفاسها وتبتلع تلك الغصة المريرة ، وبحرقة كانت تعلو شهقاتها بعد أن عادت دموعها مرة أخري تنساب فوق خديها بغزارة..
الألم ينهش روحها ، ونيران الفراق تحرق فؤداها
– ليه سبتوني ومشيتوا ، أنا مبقتش عايشة خلاص
خاطبتهم وكأنها تراهم أمامها ، ودموع أخري أخذت تُحرق خديها كم حرقت قلبها
– أنتوا حتي مودعتونيش
لم تتحمل الصمود في وقفتها ، فلم تشعر بساقيها وهم يرتخوا ، ثم هوت فوق الأرضية تستند بظهرها خلف الجدار ، وتضم جسدها بذراعيها وقد عادت تلك الرجفة تُصيبها ..
مر الوقت ، ولا تعلم كم مر منه وهي تجلس هكذا ..، وتتذكر والديها في بؤس لا تُصدق أنهم رحلوا وتركوها في منتصف الرحلة
تمالكت حالها أخيراً ، وهي تنظر أمامها..، فعليها النهوض لتنظف منزل عمتها وتطهو الطعام ..، رغم أن عمتها تغضب كثيراً منها لقيامها بأعمال المنزل .., عمتها الحنون التي لولا وجودها هي وعائلتها الصغيرة لكانت ودعت حياتها وراء والديها.
نهضت بصعوبة متجهة نحو دورة المياة الصغيرة ، تغرق وجهها قليلا بالمياة وتلتقط أنفاسها و تُحادث حالها
– مش هتقعدي عالة عليهم في البيت ، وكمان يخدموكي يا صفا
بدأت بطيّ أكمام جلبابها المنزلي ثم ربطته في عقدة بعدما رفعته نحو خصرها حتي تتمكن من مهمة التنظيف، و باحدي المقشات التي تصنع من قش الأرز ..، اخذت تزيل الاتربة من فوق الأرضيات ، فمنزل عمتها بسيط لا يشبه منازل المدينة
، انحنت بجسدها تحمل الأغطية الصوفية البسيطة كي تُنفضها ، ولكن اعادتهم مكانهم وهي تتذكر أن عليها البدء في الغداء فلم يعد يتبقي الكثير من الوقت ، من عودة زوج عمتها “العم صابر” وعمتها من المزرعة التي يعملون بها.
اسرعت بخطوات سريعة نحو المطبخ ، والذي اصبح جزءً من يومها بإرادتها ، بعد ـن كانت لا تهوي الدلوف إليه وترغمها والدتها علي ذلك ..، حاربت بشدة تلك الغصة التي عادت تسحق فؤادها , وسرعان ما اطبقت جفنيها بقوة ،تتغلب علي دموعها العالقة ، شرعت في الطهو ولم تكن أعباء المنزل إلا راحة لها ،
ورغم أن عمتها ستُعاتبها علي قيامها بكل شئ في المنزل إلا إنها تفعل كل ذلك برضي .
تذوقت طعم الحساء وابتسمت بسعاده ، ولكن سرعان ما تذكرت والدتها ، ولم يكن الحنين ليتركها للحظات , لعلا نيران الوجع ترحمها قليلاً
” يابنتي ياحببتي اتعلميلك اي طابخه تنفعك ”
وعادت الذكريات تتدافق على قلبها بمرارة ، فمهما حاولت إلهاء نفسها لا تستطيع وكل شئ يذكرها بهم ، مسحت دموعها التي أنسابت فوق خديها مجدداً الي ان تنهدت بانفاس مثقلة تجثم فوق روحها :
– شوفتي ياماما اه انا بقيت ست بيت شاطره ، وبقيت اتحمل المسئولية ومبقتش مدلعه …
وعادت للبكاء بحرقة وشهقات عالية
صفا : اصل هتدلع على مين غيركم من بعدكم
وعلقت عيناها بالسلسال الذي يلتف حول عنقها ، فمضته داخل كفها بشوق ثم فتحته ، تتأمل قلبه ومايحتويه على صورة والديها
فلم يتبقي لها من وجودهم سوى الذكريات وسلسال يحمل صورتهما
اقتربت منها جنة ببطء بعدما دلفت للمنزل وعادت من جامعتها، وفي لحظة خاطفة
باغتتها بدغدغة تُمازحها ، شهقت صفا بذعر ثم وضعت بيدها فوق قلبها تلتقط أنفاسها من أثر الخضة
صفا: خضتيني ياجنه.. حرام عليكي
جنه ضاحكه : الجميل سرحان في ايه ؟
فابتسمت صفا ببهوت وبنبرة مريرة هتفت، بعد أن اشاحت عينيها بعيداً :
– سرحانه في حياتي ياجنه
تلاشت ضحكة “جنه” بعدما شعرت بمرارة عبارتها ، واقتربت منها تضمها بحب لعلها تُخفف قليلاً عنها :
عارفه جبتلك معايا ايه وانا راجعه من الجامعه
طالعتها “صفا” في شرود ، فاسرعت جنه نحو حقيبتها التي اسقطتها أرضاً عند دلوفها للمنزل ، والتقطت الكتاب من داخل حقيبتها هاتفة بحماس :
– هو صحيح الكتاب ده مش لمراد زين ، بس انتي برضوه بتحبي تقري للكاتب ده ، بس عرفتلك خبر هيفرحك كاتبك الغالي هينشر كتاب جديد ليه قريب
فاهتز جسد صفا متذكره اخر ماكانت تحمله له ، وهي هائمة في عالمها .. وعالم الروايات
فتهتف بوجع : انا خلاص قررت مقراش تاني ياجنه
أقتربت منها “جنه” وقد علقت عيناها بها في أسي ، فقد أمات الحزن قلب ابنة خالها ، و ليتها تستطيع أن تُخفف عنها
– كنت الاول بعيش الخيال وانا مطمنة , إن الواقع محاوطني بالحياة السعيدة ، أب و أم أنا أغلي عندهم من روحهم ، وحضنهم الدافي بيطمني إني في أمان ، لكن دلوقتي مبقتش عايشة يا جنه ، روحي راحت معاهم خلاص ، قوليلي سبوني ليه لوحدي
واندفعت لاحضان أبنه خالها ، فضمتها جنه بقوة تبكي معها في مرارة
– ماتوا تحت التراب يا جنه ، كانوا نفسهم يفرحوا بيا عشان يتطمنوا عليا ، كأنهم كانوا حاسين
تعالت شهقاتهم ، ولم تتمالك جنه هي الأخري حالها ..، فلا حديث يستطيع أن يخرج من شفتيها
– مرت ست شهور ولسا الوجع جواكي يابنت خالي وبتظهري إنك كويسه ..،طيب اصرخي فينا ، اعمل أي حاجة يا صفا ..، ياريت الحزن كان بيتقاسم كنت أخدت منك جزء.
احتضنتها “صفا” بقوة ، فضمتها جنه بكل قوتها ..، تمسد فوق ظهرها وقد صمتت كلتاهما عن الحديث ، اتسعت عيناهم فجأة ، يُحاولوا أن يستوعبوا من أين تأتي تلك الرائحة ؟
: في حاجة بتتحرق
تسألت “جنه “وهي تعلم الجواب الواضح أمام عينيها
فهزت “صفا” لها رأسها بعدما التفت بجسدها نحو إناء الطعام الذي أحترق
جمدتهم الصدمة قليله ، وسرعان ما كانوا يتخلوا عن صدمتهم صارخين
– الحلة أتحرقت !
…………………………………………………………
تأملته وهو منكب علي حاسوبه الشخصي يُطلعها علي كل شئ يخص المشروع , المشترك بين شركتهم وشركة والدها وما قام بالتعديل عليه ، كانت شاردة فيما عرفته عن حياته وزيجته التي سعي “عامر” بشده لأخفاءها عن الجميع ، تسألت داخلها وهي تنظر إليه , ما كان يُميز تلك الفتاة ليُحبها رجلاً يتحكم به العقل ..، والحقيقة التي تغافل عنها عقلها ..، أن “احمد السيوفي” الذي يجلس امامها الأن ..، ليس ذلك الشخص الذي كان عليه قديماً
تنهدت بأنفاس مسموعه ، مما جعله يرفع عينيه عن حاسوبه وينظر إليها مستفهماً
– بيتهيألي أنك محتاجة فنجان قهوة يا فريدة
تحركت من وقفتها خلف مقعده ، وهي تومئ له برأسها
– فعلا محتاجاه جداً
وتمتمت معتذره حتي لا تفقد أحترامه لها الذي نالته بسبب أجتهادها
– أتمني متتغيرش نظرتك ليا وترجع تشوفني بنت متدلعه ، مبتفهمش حاجة في الشغل
تعالت ضحكته رغماً عنه ، فهو لا يُنكر أن “فريدة” فتاة لطيفة ..، وقد تمكنت من نيل تقديره ، فنقطتهم المشتركة هو العمل ولن يراها إلا في تلك الصورة ..، ابنة شريكهم ليس أكثر
– لو مكنتيش حصلتي علي تقديري ، مكناش كملنا شغل سوا يا فريده ..، لاني للأسف وارث نفس طباع العيله ..،مافيش تهاون في الشغل
أبتسمت ببهوت وهي تُطالعه ، فهي اصبحت علي دراية كبيرة ببعض صفاته
– عارفة يا بشمهندس ، فين القهوة بقي عشان أعرف أركز من تاني
ابتسم وهو ينهض عن مقعده ، واتجه نحو باب غرفته ينظر لسكرتيرته التي نهضت علي الفور من فوق مقعدها
– أتنين قهوة مظبوط يا داليا
عاد للغرفة ، فنظر لها وهي تتخلي عن سترتها وقد ظهر قميصها الملتصق بجسدها ,وأظهر تفاصيلها بسخاء ، تنحنح مطرقاً رأسه يعود لجديته متمتماً
– مقولتليش وجهت نظرك في التعديلات اللي تمت في الطريق الداخلي للكمبوند السكني
ابتسمت وهي تهوي بجسدها فوق المقعد ، بعدما رتبت خصلاتها
– أنا بستفاد من خبراتك وارائك يا بشمهندس ، ومدام أنت شايف إن التعديل هيخدم الكمبوند أكتر ، تمام
اعجبه ردها ، فتقدم نحوها يسألها مترقباً جوابها
– يعني مزعلتيش لما عدلت علي ارائك
اعطته الإجابة التي أرادها بحركة رأسها ، فوقف يرمقها للحظات ..، متعجبً منها ..، ثم اخذ يُقيمها بنظرات تفهمها ولكن رنين هاتفه جعله يُدرك حماقة نظراته ، اتجه نحو سطح مكتبه والتقط هاتفه ، فارتبكت بشدة بعدما أعطاها ظهره ..، فيجب عليها الا تكون بلهاء لتلك الدرجة ..، فرجلاً مثله لا ينبغي أن تفرض نفسها عليه ..، وبحكمة كانت تُخاطب حالها
” كل حاجة بنوصل ليها بالعقل يا فريدة ”
فاقت من شرودها وقد انتبهت علي حديثه ، وعلي ما يبدو إنه يعتذر لأحداً وقد نسي موعده معه
– اسف يارامي بجد نسيت ميعادنا ، لو قريب من الشركة عدي عليا
ثم أردف بعدما أستمع للطرف الأخر
– تمام مستنيك
أنهي حديثه ونظر نحوها ، فنهضت عن مقعدها والتقطت سترتها متمتمه
– بيتهيألي إنك مبقتش محتاجني حالياً
وقبل أن يهتف بشئ كانت سكرتيرته تدلف بفنجاني القهوة
– أشربي قهوتك الأول ، رامي لسا قدامه نص ساعه علي ما يكون هنا ..
– ديما بتفهم في أصول الضيافة وخصوصاً معاملة الليدز الحلوين ..، يا بشمهندس
انتبهوا علي صوت “عامر”، الذي دلف الغرفة للتو..، فطالع “احمد” شقيقه متنهداً بضيق من عبارته الأخيرة ، تجاهله “عامر” مبتسماً وهو يقترب من “فريدة” يُصافحها ، متسائلاً علي حال والدها
– أخبار محسن بيه إيه
– تمام يا عامر بيه
وادرفت مازحه ، تُلطف من وجودها قليلا بينهم ..، تحت نظرات “احمد” الجامدة
– بيتهيألي كنتوا مع بعض أمبارح في النادي الرياضي
فابتسم “عامر” وهو يمسح فوق جسده
– فعلا، أنا ومحسن بيه محتاجين نرجع لشبابنا من تاني
بدالته “فريده” الضحك علي حديثه ، ولكن “احمد” لم يُعقب علي شئ من سخافة حديث شقيقه ..، فهو يعلم ما يسعي إليه عامر
– خلوني أنا كمان أطلب من داليا قهوتي ، واشربها معاكم ..، ونتناقش شوية في المشروع ولا وجودي مش مناسب حاليا
لم يتحمل “احمد” مراوغة شقيقه ..، ولكنه تمالك حاله متمتماً بحنق تحت نظرات”فريدة” العالقة بتلك الحرب الدائرة بينهم
– هطلب من داليا قهوتك ، بس معنديش وقت أكتر من نص ساعه وبعدها مضطر استأذن منكم
فابتسم “عامر” وهو يستمع لحديثه ، وسرعان ما قطب جبينه متذكراً وكأنه قد نسي الأمر
– اوه ، لا أنا اللي مضطر اسيبكم واشرب قهوتي في مكتبي ..، لأن عندي اجتماع مهم
وانصرف “عامر” والابتسامة تحتل ملامحه ، فعلي ما يبدو أن “فريده” لن تترك شقيقه إلا بعدما تسقطه في غرامها ..، وسيكون أكثر من مرحب بالأمر ..، فلم تخفي عنه تلك النظرات التي ترمق بها شقيقه الأصغر.
……………………………………………………..
جلست بينهم تتناول طعامها بمرارة أصبحت مذاق لكل شئ بحياتها ، فرمقتها عمتها “السيدة صافية ” بحزن علي حالها, وبنبرة حنونه تمتمت:
– تسلم ايدك ياصفا ياحببتي
فهتف زوج عمتها هو الأخر بصوت حنون
صابر : ربنا يبارك فيكي يابنتي
ابتسمت “صفا” اليهم وقد علقت الدموع بعينيها ولكنها تمالكت حالها أمامهم
– بقيتي شايله مسئولية البيت عننا ، وضمت نح صدرها وبحنان تتابع حديثها :
– متجيش علي نفسك عشانا ولا عشان تشيلي عن الزفته اللي عماله تاكل من الصبح ، ومعندهاش دم
اتسعت عينين “جنه” ذهولاً بعد عبارة والدتها ..،فرفعت وجهها عن طبقها تحدق بوالدتها ، تُشير نحو حالها :
– ليه كده يا صافية ياغاليه ، ده انا غلبانه وجعانه
فاجابتها صافية حانقة ، بعدما نظرت نحو “صفا” التي أخفضت عيناها عنهم ..، حتي لا ينتبهوا علي دموعها الحبيسة :
– ساعدي بنت خالك ، وحجتك كلها كام شهر وهنخلص منها ، لا في جامعه ولا في مذاكره ..
واردفت متوعده
– وهطلعه عليكي في شغل البيت
جنه : ايد علي ايد بتساعد يا ست الكل ، ولا أنتي إيه رأيك
ارادت أن تتمازح قليلاً ، حتي تُشاركهم “صفا” في حديثهم ..، ولكن “صفا” كانت منعزلة عنهم بلحظات كانت تعيشها من قبل
– انا وابوكي تعبنين في شغل المزرعه ، وكل ده عشان منخلكيش محتاجة لحاجه يابنت بطني
وفردت “صافية” كفيها ، حتي تريها كم اصبحت كفوفها خشنة من شدة التشقق ، فنظرت جنه إليها ، بعدما تمالكت غصتها ..، فاعمال المزرعة والفلاحة لم تعد تناسب والديها في عمرهم هذا ..، ولكنهم يتحملوا كل شئ من أجلها ..، فاسرعت في التقاط كفوفها تقبلهما هاتفه :
– ربنا يديكي الصحه يا ماما ، واتخرج واشتغل ومخلكيش انتي وبابا تحتاجوا لحد
كان “صابر” صامت لا يُشاركهم الحديث ، فعيناه كانت عالقة نحو تلك اليتيمة التي اخذت تقضم شفتيها وتقطب جفنيها بقوة حتي لا تنساب دموعها أمامهم ..، وتُفقدهم لحظات سعادتهم باحزانها ، وعندما رأي “صابر” تلك الدمعة التي فرت من جفنيها ..أسرع متمتماً , يُغير الحديث الذي طال بين زوجته وأبنته
صابر: انا عارف انك بتحبي القصب ياصفا يابنتي ، يلا تعالي نقعد قدام باب البيت .. نتسلي لحد اما جنه وعمتك يخلصوا خناق ويعملونا الشاي
انتبهت “صفا” علي حديثه ، فاسرعت في مسح دمعتها ، وقد فرت منها دون قصد ، ومن نظرته إليها علمت إنه قد رأي دموعها ..، نهضت عن الطاولة تتجاوز غصتها متمتمه: – قصب !
فابتسم “صابر” بشفقة ، وهو يراها كيف تُحاول أن تظهر سعادتهم إليهم ، أتجه نحو البساط القديم يلتقطه من مكانه، ثم تجه نحو باب الدار يبسطه أمامه ..، يُذكرها بطفولتها:
– من وانتي طفله صغيره بتحبي
فتعالا صوت جنه من خلفهم بعدما نهضت هي الأخري بحماس من جوار والدتها التي ذهبت لتصنع لهم الشاي
– انا جيت عشان اقشره ليها زي زمان ، ما اصل انا بحب ادلع صفا هانم
وبكلمات بسيطه كانت السعاده ترتسم فوق شفتي “صفا ، ورغم الألم الذي أصبح رفيقها إلا أنها تذكرت تلك الأيام من طفولتها ، وقد كانت تأتي لهنا مع والديها حتي يقضوا بضعة أيام من العطلة الصيفية.
…………………………………………………….
وقفت “السيدة حنان” ، تلك الخادمه التي عملت في هذا المنزل لسنوات ، تفرك كلتا يديها وتطرق رأسها خجلاً مما جاءت من أجله لتُخبر سيدها ، أنتظر “عامر” سماعها بعدما ترك العقود التي كان يُطالعها
حنان : عامر بيه ! ، انا مش عارفه اقول ايه لحضرتك
فتأكد “عامر” من وجود شئ ، فاشار إليها بمواصلة حديثها ..، وهو يخشي أن تكون والدته بها شئ ما
– أنا مضطرية اسيب الشغل ، عشان، عشان
تمتمت عبارتها بتعلثم ، ثم ابتلعت باقية حديثها في إستحياء
فرمقها “عامر” وقد ضجر من إنتظار سماع ما ترغبه ، فزفر أنفاسه متمتماً بجمود :
– عشان ايه ياحنان ؟
حنان : أنا هتجوز يا بيه ،وجوزي رافض اني اشتغل في البيوت حتي لو هكون مرافقة للهانم الكبيرة
واردفت بتوتر ، تُخبره إنها ستظل في عملها لمدة ما ..، حتي يتمكن إيجاد مرافقة غيرها
– فاضل لسا وقت علي جوازي يا بيه ، لكن حبيت أبلغك من دلوقتي
طالعها ينتظر معرفة تلك المدة التي ستظل بها معهم ، فاسرعت في إخباره
– قدامي شهرين يا بيه !
فتنهد “عامر” بعدما هتفت عبارتها أخيراً ، ونهض عن مقعده .. خلف مكتبه بوقار وهالة من الهيبة ..، جعلت الواقفة تتراجع للخلف.
لم يتقدم منها بل أتجه نحو شرفة مكتبه الضخمة ، يُطالع المساحة الواسعة الواضحة للأعين ، دس سيجارته بين شفتيه ثم نفث دخانها ببطء ، فعادت الواقفة تطرق رأسها ..، تنتظر أوامره ، وبعد لحظات من السكون خرج صوته وهو مازال علي وقفته دون أن يلتف إليها
عامر : تكلفة جوازك هتكون هديه مني لخدمتك الطيبة لأمي ، وده بعيد عن مكفأتك لنهاية الخدمه ياحنان
تهللت اسارير حنان غير مصدقة ما تسمعه من كرم سيدها ، ثم اسرعت في الهتاف بخجل
حنان : والله ياعامر بيه ، انا بحب الهانم الكبيره أوي ، ويعز عليا فراقها ، لكن على عيني والله اسيبها
وعادت تطرق برأسها مجدداً ، تتابع حديثها وقد التف عامر نحوها ..فرأي نظراتها الخجله المرتبكة
فاكملت حنان والسعاده تملئ ملامحها ، وهي تتذكر الرجل الذي ستترك عملها من اجله وتشاركه حياته :
– بس سعد راجل طيب ومناسب عمره ليا ، الامان بوجود راجل يخاف علي الواحده مننا ويحبها بالدنيا يابيه !
وبرغم إنه لا يستلطف تلك الكلمات ، إلا إنه ابتسم على حديثها بعدما رأي صدق المشاعر التي تتحدث بها خادمته البسيطه ، تغللت الكلمات داخل قلبه , الذي لا يؤمن بالحب وتضحيات النساء من أجله ، ولكن سرعان ما تلاشي كل شئ داخله ..متمتماً بعدما عاد لمقعده :
– مبرووك ياحنان !!
…………………………………………………………
أشتدّ هطول الامطار، وسقطت قطراتها بغزاره وصوت الرياح أخذ يتعالا حولها ، فاصابت قلبها تلك الرجفة ، فشدت من ضمها لجسدها أكثر ..، وقد جلست علي إحدى الحجارة الضخمه امام منزل عمتها
ارتجف جسدها بشده بعدما اصبح مبتلاً والمياه تتقطر من ثيابها ..، احاطت جسدها بذراعيها , لعلها تمنحه الأمن قبل الدفئ الذي غادره من شدة البرودة ..، انسابت دموعها بغزارة كحال هطول الأمطار التي تتدافق فوقها ..، ارادت الصراخ ولكنها لم تستطيع ، فكورت كفيها وقد أرتعشت شفتيها كحال جسدها
اتسعت عينين “جنه” فزعاً وقد وقفت علي أعتاب باب المنزل تنظر إليها في صدمه ..، ثم اسرعت إليها تسألها بذعر
– صفا ، صفا ايه اللي بتعمليه في نفسك ده بس
وجثت علي ركبتيها امامها وقد تشبع جسدها ايضا بماء المطر المتدفقة بقوة هذه الليله
– ليه سابوني ياجنه لوحدي ، ليه مامتش معاهم قوليلي ليه
هتفت بها وقد أخذ جسدها يرتعش ، طالعتها “جنه” تُشاركها ألمها , ثم ضمتها إليها بقوة لعلها تمنحها الدفئ
– اصرخي ياصفا طلعي اللي جواكي كله ، متمـ,ـوتيش نفسك بالبطئ
صفا : انا انكسرت ياجنه ، انا دوقت فعلا مرارة الدنيا وشوفت قلبتها في غمضت عين
ونهضت من فوق الحجر بعدما ازاحت ذراعين جنه عنها .. وسارت بضعة خطوات ثم رفعت ذراعيها عالياً ، وهي تُحدق في هطول الامطار التي ازداد انسيابها بغزارة ، وقد شاركها صوت الرعد بنوره القوي في صراخها
– ليه ، ليه مروحتش معاهم وسبوني لوحدي أموـ,ـت كل يوم
ارتخت ساقيها بعدما لم تعد تشعر بهما ، فسقطت علي ركبتيها وهي واضعه بيدها فوق صدرها من شدة حرقتها، متمتمه بأيمان قد قذف في قلبها
– اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به
وظلت تردد الدعاء حتي وجدت جنه تضمها اليها مجدداً ، ثم ساعدتها علي الوقوف والدلوف نحو المنزل.
………………………………………………………..
أرخي جسده بعدما جلس فوق المقعد ، في ذلك المطعم الذي يُفضله هو وصديقه ..، وضع مفاتيحه الخاصة علي الطاوله ، وبدء يفرك يديه الباردتين, لعله يمنح جسده الدفئ لو قليلاً
احمد: الجو النهارده صعب اوي
واسرع في التقاط مشروبه الساخن بعدما وضعه النادل مُجيبًا طلبه في سرعة ، ارتشف بضعة رشفات من مشروبه متمتماً:
– امممم ، كنت محتاجه فعلا
فابتسم رامي علي حال صديقه ، وقد اخذ يرتشف هو الاخر مشروبه :
– كان لازم ننزل في الجو ده عشان نتقابل
– كنت محتاج اقابلك يا رامي
فمال “رامي” بجسده فوق الطاولة ، بعدما شعر بخطب ما بصديقه
– عامر نيته واضحه اوي ، في موضوع فريدة
وصمت عن حديثه ، واخذ يُدلك عنقه في إرهاق
– المشكلة إني بقيت اشوف فريدة بنت مناسبه ليا ..، أنا بدأت أخون مها في افكاري يا رامي
وبحزن لم يخمد في قلبه هتف عبارته
– وفيها إيه يا احمد لما تحب وتفكر تلاقي شريكة حياتك
وبجنون كان يصرخ ، بعدما فقد سيطرته علي حاله
– احب واتجوز ، وأنا كنت السبب في مـ,ـوت مها
الفصل الخامس
******
تنهد بأرهاق بعدما فرك عينيه ثم أخذ يُدلك عنقه ، أرتخي بجسده قليلاً حتي يمنحه الأسترخاء ويعود لعالمه بين السطور ..، التقط قلمه مجدداً وعاد يُكمل كتابة سطوره التي تحكي عن الاحلام الضائعة ، وحكايات الحب التي تنتهي بعدما نذوق من كاسته جرعات العشق , ومن ثم تصيبنا الخيبة ..، ولكن اليوم الكلمات تخونه وكأنها تحالفت مع قلبه ..، فلم يستطيع تكملة سطوره ..، اخذ يزفر أنفاسه بزفرات متتالية ..، طالباً الراحه من عقله ، وها هي الذكريات تخترق حصونه والسنين تعود به لأيام مضت وانتهي هو معها
فلاش بك
وقفت السيارة امام البوابة الضخمه لمزرعة عائلة السيوفي ، ركض الحارس يفتح الباب مرحباً بسيده، ثم رمق تلك التي تُجاوره وقد أصبح يعلم بهويتها وملازمتها لسيده الصغير كلما أتي لهنا ، وقد أعتاد علي وجودها مع سيده الصغيرمنذ عام
– نورت يا احمد بيه
دلف “احمد” بسيارته نحو الداخل ، والجالسة جواره تفرك يديها في توتر ..، كحال كل مرة تأتي فيها إلي هنا ..، توقف بالسيارة أمام المنزل يُطالعها بابتسامه سعيدة
– مالك يا حببتي
طالعته “مها” بقلق ، تنظر حولها في المكان
– بحس أننا بنسرق يا احمد ، هنفضل كده لحد أمتي ؟
تنهد أسفاً علي ما يجعلها تعيشه ، ولكن والده وشقيقه يرفضون تلك الزيجة ، وهو لم يريد إلا وضعهم أمام الأمر الواقع
– أنتي عارفه يا حببتي لولا الأزمة القلبية ..، كان زماني بلغته بجوازنا
اطرقت عينيها في حزن ، فهي تُدرك تماماً إنها ليست من عائلة مشرفة ..، اسرع في التقاط كفها بعدما شعر بحزنها الذي ارتسم فوق ملامحها ..، ثم رفعه نحو شفتيه يلثمه في عشق
– اوعدك أول ما حالته تتحسن ، مش هستني لحظه واحده يا حببتي
واجتذبها إليه ، يضمه نحو صدره في عشق أخترق حصونه منذ أن رائها , مثل الفراشة حرة طليقة في نادي الفروسية عندما كانت تشجع شقيق صديقتها وقد داعتها لحضور أحد السباقات
تنحنح الحارس عندما اقترب من السياره ، حتي يسأل سيده عما يُريده منه قبل أن يعود لغفوته ..، ابتعدت عن أحضانه وقد اشاحت عينيها بعيداً عن نظرات الحارس
ترجلوا من السيارة وسبقته نحو الداخل وقد عاد الخوف يدب في أوصالها ..، هي تعلم إنها زوجته بعقد رسمي وقد زوجها له والدها بعد أخذ المال الذي يُريده منه ، حتي يوافق علي تلك الزيجة وبالشروط التي يضعها “احمد” ولم يكن الشرط إلا أن يكون الزواج في السر حتي يُصرح هو بالأمر لعائلته
– كل حاجة زي ما طلبت مني يا أحمد بيه ، خليت أم حسن تنضف البيت
هتف الحارس بما فعله لأجل سيده ، فدّس “احمد” يده داخل جزدانه يخرج له المال ..، تهللت أسارير الرجل وهو يري الورقيات التي تدل علي مبلغ ضخم ..، شكره منصرفًا وهو يشير بيده نحو عينيه ..، يخبره بأن كل شئ سيكون تحت حراسته ..، وإذا حدث أمر طارئ وجاء السيد “عامر” للمزرعة سيخبره علي الفور
اسرع ” احمد” في الدلوف للمنزل بتوق شديد ، واقترب منها يطوق خصرها بذراعيه ويجتذبها نحو صدره مُقبلاً عنقها بقبلات مترفقة
– وحشتيني أوي يا مها ، مبقتش قادر ابعد عنك ولا انام من غيرك
أستمع لصوت تنهيداتها ، فلفها إليه ينظر لعينيها
– صدقيني الوضع ده مش هيستمر كتير
– بزعل علي نفسي اوي يا احمد ، وأنا بشوفك وسط الكل والنظرات بتحاوطك وأنا مش قادرة أقرب منك ..، كل حاجة لازم نعملها بحساب
واردفت متحسرة علي حالها وابتعدت عنه
– عشان محدش يوصل أخبارنا لوالدك
– ده وضع مؤقت يا مها صدقيني
هتف عبارته بضيق من ضعفه أمام والده وشقيقه ..، ولكنه لا يُريد خسارة والده ويعيش عمره كله متحسراً عليه لو كان سببً في فقده
وعندما رأت قلة الحيلة التي احتلت عينيه ، وابتعاده عنه ..، تقدمت منه تسأله
– تحب أحضرلك العشا
عاد يلتف إليها ، وقد عادت السعاده لعينيه وهو يومئ لها برأسه متحمساً
– ياريت أنا جعان جدا
وجذبها إليه يلتقط قبلة خاطفة من شفتيها ، غامزاً لها بشقاوة لا تكون إلا معها
– وجعان لحاجات كتير تانيه
خجلت من تصريحه الذي فهمته ، فاسرعت نحو المطبخ الذي تعرف مكان وجوده تماماً
اتبعها حتي يُعاونه في تحضير وجبة سريعة ..، اعدوها سوياً في حماس وضحكات ومداعبات “احمد” إليها مع تذمرها وخجلها الذي يزيده توقً لها
تناولوا وجبتهم ، فمسحت شفتيها تنظر إليه
– اعملك قهوتك
ولكنه كان يريد مذاق شئ أخر ، ولم يعد يستطيع الانتظار ..، حملها بين ذراعيه يصعد الدرجات نحو الغرفة التي شهدت علي أول لقاء لهم أمتلكها فيه هامساً
– بحبك
عانقت عانقه ، دافنه وجهها في عنقه وصوتها الهامس يخترق أذنيه
– بحبك
…
– أنت لسا سهران يا احمد
هتف “عامر” بعدما دلف غرفة شقيقه ..، بعد أن رأي إضاءتها ..، طالعه “احمد” في شرود قبل أن ينهض عن مقعده ويفيق علي حاله
– سهران شويه يا عامر
رمقه “عامر” في شك ، فشقيقه لا يكون بتلك الحاله ..، إلا إذا تذكر الماضي ..، يشفق عليه ويشعر بالندم لأنه وقف في طريق سعادته مع والده ..، ولكن ما حدث قد حدث في الماضي ولم يعد هناك وقت للندم
اقترب “عامر” من مكتبه ..، يلتقط الأوراق التي يدون بها عمله الجديد متسائلاً
– هتنشر عمل جديد ليك
اماء “احمد” برأسه واتجه نحوخ، يلتقط منه الأوراق متمتماً
– بدل ما تبدء تقرا واسمع منك انتقدات كتيره
صدحت ضحكة “عامر” عالياً ، رابتً فوق كتفه
– ما أنت عارف يا أحمد ..، أنا راجل عملي بحت ..، لا بفهم في الكتب ولا الحب
واتجه نحو باب الغرفة هاتفاً
– تصبح علي الخير
– عامر ، ياريت تروح تطمن علي ماما ..، بدل ما أنت بتعرف أخبارها من الخدم ..، او تروح أوضتها نص الليل ..أنسي يا عامر
توقف “عامر” مكانه ، بعدما قبض فوق مقبض الباب ..، وقد ارتسم الجمود فوق ملامحه ..، التف ببطئ نحو شقيقه ثم انصرف مغادراً غرفته
………………….
فتحت “صفا” ذلك الكتاب الذي جلبته إليها “جنه” ، بدأت في قراءة أول سطورها ..، ثم توقفت بعدما شعرت بشئ يجثم فوق روحها ..، اغلقت الكتاب وقد اغمضت عينيها ..، فلم تعد تهوي شئ بالحياة ..، حتي أكثر الأشياء قربًا لقلبها
وضعت الكتاب جانباً ، فما الذي ستحتاجه من الكتب وقد اصبح فؤادها خالي لا يري الحياة إلا صفحة باهتة اللون ..، تسطحت جوار “جنه” الغافية في أحلامها السعيدة ..، ثم احكمت وضع الغطاء فوقهم تنظر نحو سقف الغرفة لعلها تغفو دون التفكير في شئ ..، ولكن النوم كالعادة ابي أن يُصاحب جفنيها هذه الليلة ، اخذت تتمايل فوق الفراش تُحاول أن تعيش داخل الذكريات السعيدة ولكن الذكريات ما كانت إلا لتصيبها بالحزن ..، تنهدت بضجر ونهضت من فوق الفراش تُطالع “جنه ” التي شعرت بها ونهضت تفرك عينيها متسائله
– مالك يا جنه فيكي حاجة
حاولت الاعتدال لرؤيتها بوضوح ، ولكن “صفا” اسرعت في النهوض متمتماً حتي لا تُقلقها
– متقلقيش يا جنه ، انا بس مش جايلي نوم ..، هروح المطبخ أشرب وراجعه
اعتدلت “جنه” في رقدتها محذره لها باصبعها
– اوعي تخرج بره البيت ، الدنيا برد
فابتسمت “صفا” ،بعدما التقطت شالها الصوفي الذي صنعته لها عمتها:
– هروح اشرب ياجنه ، متقلقيش
………………………………………….
يعني هتشتغل شغل اضافي ياصابر
فتنهد صابر بتعب، وهو ينظر نحوها: اعمل ايه يا ام جنه الحياه بقيت غاليه ، والحمل زاد ، مش عايزين نقصر مع بنت اخوكي في حاجه ..
انتاب “صافيه” الحزن علي حال زوجها ، فمن يُصدق أن “صابر” ذو الأصول العريقة من أهل الصعيد ..، يعيش حياة كهذه
– سامحني يا اخويا أنا السبب في عيشتك ديه
طالعها “صابر” بلهفة ، بعدما رأي الحزن أرتسم فوق ملامحها ..، يجذبها إليه
– لو رجع بيا الزمن تاني ، هتجوزك برضوه يا صافية ..، وهسيب كل حاجه عشانك
انسابت دموع “صافية” علي حب رجلاً مثله ، كان نصيبها من الدنيا
– ربنا يجعل يومي قبل يومك
– اوعي تقولي كده يا صافيه ، ده أنا اللي ربنا يجعل يومي قبل يومك
هتف عبارته وهو لا يتخيل أن يعيش لحظه من دونها ، التقطت كفيه وضمتهما بين كفيها
– هنفضل مع بعض علي المره قبل الحلوه
ابتسم وهو يتذكر تلك العبارة ، التي أخبرها بها ، بعد أن ترك عائلتها وعاد إليها حتي يتزوجها من شقيقها “حسن ”
– ياا يا صافيه ، لسا فاكره كل كلمه
وبعشق حفر جذوره في قلبها ، منذ أن كانت أبنة السابع عشرة هتفت وقد تعلقت عيناها بعينيه
– عمري ما نسيت أي كلمه يا صابر
غمرها بين ذراعيه ..، حتي عاد الدفئ إليها ونسيت تلك الهموم التي ثقلت عليهم
– حسن وحشني أوي يا صابر
التمعت عيناه بالحزن كحالها علي صديقً كان ونعم الأخ في حياته
– حد يصدق ان ده يحصل
عاد قلبها يؤلمها علي حال ابنة شقيقها ، التي انعدمت الحياة في عينيها واصبحت بلا روح بينهم :
– ربنا يقدرنا علي شيلتها يا صابر ، لحد ما نجوزها لابن الحلال اللي يصونها ونطمن عليها ..، ديه أمانة حسن لينا
فتنهد صابر وهو يتذكر “حسن وفاطمه” بقلب حزين:
– ما انا شايل هم اليوم ده .. مش عارف لو حد اتقدملها هقوله ايه واجهزها ازاي
واردف بعدما تذكر أمنيتهما
– حسن وفاطمه مش هيرتاحوا في تربتهم غير لما يشوفوها سعيده في حياتها ومع راجل يصونها ، عشان كده يا ام جنه اي حاجه تجبيها لجنه تجيبي زيها لصفا في الجهاز واه نجهزهم من الشغل الاضافي اللي هشتغله في المزرعه
– أنت برضوه مصمم عليه يا صابر ، أنا خايفه علي صحتك يا اخويا
– ربك بيعين يا صافية
ابتسمت بحب علي رضي زوجها وكلماته الطيبه ، فهتف بعدما تذكر شيئاً لما يُخبرها به ، وقد اعتاد علي أخبارها بكل شئ ..
– نسيت اقولك مش حنان بنت شلبي هتتجوز وهتسيب الخدمه في قصر السيوفي في مصر وهترجع البلد ، والبيه الكبير أكيد هيعوز واحده بدالها للهانم الكبيرة
تهللت اسارير “صافيه” ، بعدما استمعت إليه ، فهل أتي الفرج إليهم بهذه السرعة ..، وسرعان ما هتفت بسعادة بعد أن خطرت ببالها فكرة لتحسين وضعهم ، لما لا تكون هي البديلة عن حنان ، فعملها في منزل السيد الكبير بالقاهرة ما هي إلا فرصة إليهم لتحسين دخلهم :
– ايه رأيك اروح انا يا صابر بدل الشغل في المزرعه ، ديه حنان كانت بتقولي انها بس مرفقه للست هانم ..، وبتاخد فلوس حلوه
احتقنت ملامح “صابر” وهو يستمع لاقتراحها ، وقد طعنة عباراتها رجولته ولولا حاجتهم لزيادة مصدر دخلهم بعدما التحقت أبنتهم بكلية الصيدلة منذ أربعة أعوام ، وقد ثقلت عليهم متطلبات الحياة ..، ما كان وافق مرغماً أن تعمل معه في المزرعة التي يعمل بها
– لولا الحاجه وقلة الحيله عمري ما كنت هنتك وخليتك تشتغلي ، واقفلي علي الموضوع ده يا صافية
فاسرعت “صافية” في أمتصاص حنقه بعدما أغضبته كلماتها, تهتف بندم ، تُبرر له سبب تفكيرها بالأمر دون قصد منها
– خلاص يا صابر متزعلش مني، انا بس قولت الفلوس هناك اكتر واه نعرف نجهز صفا وجنه جهاز كويس ..، اهم حاجة متزعلش مني يا اخويا وتسامحني
تنهد “صابر” مرهقاً ، بعدما أرهقه الحديث :
– طيب نامي يا صافية عشان اشغالنا بكره
نهضت “صافية” عن الفراش واتجهت نحو إضاءة الغرفة ، تُطفئ نورها ،
ارتعشت يدين صفا وقد أنسابت دموعها فقد اصبحت عبأ ثقيلاً علي أسرة عمتها وزادتهم هماً فوق همهم وهي أكثر الناس علماً بحالهم
صفا : انا لازم ادور علي شغل ، حتي لو هضطر أخدم في بيت البيه اللي كانوا بيتكلموا عنه
…………………
– شغل إيه اللي خرجتي تدوري عليهم يا صفا ؟
تسألت عمتها بعدما عادت في الظهيرة من المزرعة التي تعمل مُرهقة ، فلم تجدها بالمنزل ..، وعندما همت بالخروج للبحث عنها وجدتها قادمة نحوها
– ارجوكي يا حببتي ، خليني اشتغل
اقتربت “صافيه” منها وقد ارتسم فوق ملامحها الحزن وقلة الحيله
– انتي نفسك في حاجة يا بنتي ، قوليلي أجبهالك .، صدقيني مش هتأخر عليكي
وسقطت دموعها وهي تتذكر شقيقها
– عايزه حسن يزعل مني يا صفا
اسرعت “صفا” نحوها وضمتها إليها ..، تُشاركها في بكائها
– أنا محتاجة أخرج من البيت يا عمتي ، يمكن أنسي شويه ..، انا مش عايزه اشتغل عشان الفلوس ..، انتوا مش مخليني محتاجه حاجة
هكذا صنعت كذبتها ، حتي لا تشعر عمتها بقلة الحيلة وفقرها ، ولكن يجب عليها العمل حتي تصرف علي حالها فلن تظل عالقة برقبتهم طيلة العمر
– لا يا صفا ، ده أنتي مهندسة يا بنتي ..، عايزه أزاي تقفي في محل هدوم
– الشغل مش عيب يا عمتي ، وانتي عارفه حال البلد هنا ..، شغلها علي قدها ..، ولازم تروحي المدينة وبرضوه مافيش شغل ..
واردفت متحسرة علي السنوات الماضيه بعد تخرجها مباشرة من الجامعه ..، وكان عليها البحث عن وظيفه مهما كانت صعوبتها ..، ولكن تركت حالها لحياة الدلال جانب والديها ..، فما هذا الذي يُجبرها علي أن تتحمل اعباء العمل وصفاقة أصحابه ولكن اليوم علمت أن الظروف تُجبرنا من اجل لقمة العيش
– متحوليش تقنعيني يا صفا ، عمك صابر عمره ما هيرضي يا بنتي
“والسيد صابر” لم يكن حديثه مختلفاً عن عمتها ، ولكن مع إصرارها وإلحاحها أخبرها أنه سيرها لها عملاً في المزرعة يليق بمكانتها ..، كمشرفة للعمال أو في الحسابات
ابتسمت وهي تستمع لأقتراحه ، فأي شئ هي راضيه به ..، حتي لو ذهبت لمنزل ذلك السيد وعملت به كما سمعت من حديث عمتها وزوجها ليلة أمس.
دلفت الغرفة التي تقيم بها مع “جنه” التي لم تعد إلي الأن من محاضراتها ..
انسحب “صابر” نحو غرفته تتبعه “صافيه” وقد طالعها بنظرة قد فهمتها
– لا مش معقول تكون سمعتنا ليلة أمبارح يا صابر
– البنت مصممه علي الشغل يا صافيه ، ديه بقالها شهور معانا ..، اشمعنا النهارده خرجت تدور علي شغل
اتجهت “صافية” فوق الفراش المتهالك بعض الشئ ، وقد أتي عليه الزمن ..، تخفض رأسها وقد اصاب الهم قلبها
– هنبهدل بنت حسن يا صابر..، اخويا مش هيرتاح في تربته
جوارها “صابر” رابتًا فوق كتفها
– خليها تجرب يا صافيه ، يمكن خروجها ينسيها شويه ..، واحنا مش هنعيش ليهم طول العمر ..
اقتنعت بحديثه بعض الشئ ، وتسألت
– وتفتكر فتحي هيوافق يشوفلها شغل ، ما أنت عارفه مطلع عنينا في الأرض
– هحاول معاه يا صافيه..، صفا معاها شهادة ماشاء الله عليها ..، وانا سمعت منه بيدور علي حد يمسك الحسابات
واردف بعدما مسح فوق جبينه
– بس أنتي اعمليلي كام فطيرة حلوين ، وادبحي دكرين بط ..، ما أنتي عارفه فتحي
…………………………………………………………
وقف داخل غرفتها وهو يعرف إنها مستيقظة ..، توقف في سكون ينظر إليها ولكن هي كانت تشعر بها من رائحته التي عبأت رئتيها ..، إنها تشتاق له ، تشتاق لأول فرحتها .., لاول من سمعت اسمها من شفتيه ..، ابنها البكر الذي يشبه والده في كل شئ حتي في قسوته ..، تعلم بخطأها ولكان الزمن قد عاقبها فلم لا يرحمها ويغفر لها ذلتها
التمعت الدموع في عينيها ، وابتسمت وهي تهتف باسمه :
ناهد : انت هنا ياعامر صح ، انا شامه ريحتك ياحبيبي وبحس بوجودك
ابتلع “عامر” تلك الغصه المريرة بحلقه فهو لا يعرف لما قلبه قاسي هكذا عليها ولا يُسامح ، طالعها في صمت ..، يتأمل تفاصيل وجهها وقد اخذ الزمن الكثير من جمالها واصبحت ذابلة
حاولت النهوض من فوق الفراش حتي تقترب منه وتتلمسه بيديها ، ولكن ساقيها قد خذلتها ..، اسرع نحوها يمسك ذراعيها متسائلاً بقلق
– أنتي كويسه
ابتسمت وقد لمعت عيناها من السعادة رغم انطفاء نورهما
– أنا كويسه يا بني
رفعت كفها تلمس خده ، ولكنه كالعادة كان يحرمها مما تتمناه ، خفق قلبه بشوق ورغبة مُلحة تُخبره أن ينفض قسوته ويرتمي بحضنها ..، ولكنه لم ينسي يوماً رحيله وتخليها عنهم دون رحمه بحالهم
تمتم بحديث لم يأتي من اجله ، ولكنه كان الحل الأمثل ليتخلص من شعوره
– حنان بعد شهرين هتمشي ..، حبيت ابلغك ..، في اي شروط عايزاها في المرافقه الجديده
عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها ، تُحرك رأسها إليه نافية ..، استمعت لخطواته وهي يغادر ، فحاولت النهوض مجدداً واتجهت نحوه بعدما التقطت عكازها الذي يرافقها
– بقيت جافي عليا اووي ياعامر ، هتفضل لحد امتي تحملني الذنب
فاغمض عيناه وقد عاد الماضي ينهش قلبه وتدافقت الذكريات المريرة عليها وما عاشاه بعد هجرها لهم
– الدنيا مش بتعلم بالساهل يا بني ، وانا لازم كنت أتعلم واتعلم اووي كمان ، بس صدقني انا ماليش ذنب..، ربنا بيسامح له مش قادر تسامحني
لم يتحمل سماع حديثها ، فصرخ وقد تملكه القهر ..، فقد تخلت عنه هو وشقيقه من أجل حبها لرجلاً أخر ، تخلت عن أطفالها من أجل رغباتها
– يوم ما أحتاجك جانبه ، اتخليتي عنه .. اترجاكي تفضلي معاه في محنته .. بس للأسف اول كلمه قولتيهاله طلقني انا مش هقدر استحمل الفقر معاك , وفضيحة أفلاسك
سنتين ألم وعذاب قضاهم علي ذكراكي وهو بيحاول يقف علي رجليه ، بيحاول يحبنا رغم أنه بيشوفك في عنينا ، خايف لواحد فينا يطلع شبهك
سقطت دموعها ، فاقترب منها وقد ايقظت حقده
– ناهد هانم طبعا تسكت لحد كده ، مينفعش ..، رفعتي عليه قضيه نفقة عشان تخدي كل حقوقك وانتي عارفه ان الديون بقيت كتير ، وانه خسر كل فلوسه في صفقه طلع في الاخر عشيقك وصاحب عمره هو السبب في خسرته
صدحت ضحكته ، وقد تغللت المرارة في صوته
– اتجوزتي صاحبه ، كنتوا متفقين تخسروه كل فلوسه ..
احتل الغضب كيانه وخرج صوته المعذب يخترق قلبها الذي كان يوماً لا يملئه حب النفس
– عيشتي حياتك معاه ، ونسيتي ولادك عشان الحب
الحب العظيم اللي كنا بنتفرج عليه أنا واحمد في صوركم في المجلات
تسارعت انفاسه ، وهو يتذكر تلك اللحظات التي كنت تكسر فؤاده
– يمكن قدرتي ترجعي حب احمد ليكي ، لكن أنا مبنساش
أراد أن يوجعها بالمزيد من الكلمات ، فمن باعت اولادها من اجله تركها بعدما لم تعد تصلح
– اظن عملت اللي عليا زمان ، ورجعتك تعيشي في بيت الراجل اللي بيعتي ،عشان راجل تاني رماكي بعد ما ..
وقبل ان يُكمل عبارته ، كانت تُخبره هي بما يُريده
– بعد ما بقيت كفيفه صح ، مش هو ده اللي عايز تقوله يابني …
وتحركت نحو صوته ، ثم اخذت تدور بجسدها تبحث عنه في الغرفة بعد أن وقف في ركن بعيداً عنها ، منزوياً بالامه ..، استمعت لصوت زفراته القويه ..، فشعرت بما يُعانيه ، فاصابها الحزن وتوغل في أعماق قلبها ، فكم كانت امرأه بشعة لا تستحق العيش
– حفرتي القهر جو قلبي
ولاحت أبتسامة حزينه علي شفتيه يتابع حديثه وهو يري بؤسها ودموعها التي أغرقت خديها
– حاولت أسامحك ، لكن معرفتش
واقترب منها يمنحها قربه أخيراً ، ثم أمسك كفيها المرتعشتين بوجع بعدما رأي عكازها يسقط من يدها ،التقطه يضعه في يدها، واتجه بها نحو الفراش يهتف بجمود مصطنع
– تصبحي علي خير!
وسار بخطي سريعة نحو باب الغرفة يفتحه هارباً من مشاعره ، التف نحوها قبل أن يُغادر ويمنحها ويمنح حاله العزله ..، تأمل معالم وجهها الحزين ، وكاد أن يعود إليها إلا أن قسوة قلبه قد غلبته , فغادر مغلقاً الباب خلفه
خطي بخطوات سريعة ، متجهاً نحو غرفة مكتبه ، فكذا هو يهرب من مشاعره ..،وسط أعماله وصفقاته .. ، أنكب فوق ملفاته ولكن تلك المرة لم يستطيع ان يهرب من ذكري اخري أقتحمت فؤاده , ليتذكر حبيبته ، التي فقدها بسبب الماضي المرسخ داخله
فضحك بعمق وهو يحادث نفسه : انت فاكر نفسك انك حبيت اميره ياعامر ، انت مكنتش عايز غير حبها ليك وبس
وتذكر عبارتها الأخيرة إليه قبل رحيلها من حياته، مردداً عبارتها بابتسامه ساخرة : حب التملك
الفصل السادس
******
حمل كل ما لذا وطاب من صنع يدي زوجته علي أملاً ، طالعه “فتحي” ذلك الرجل ذو الشارب الضخم والملامح الغليظه ..، ينظر نحو ما يحمله فوق رأسه متسائلاً بعدما استمع لصوت الطيور التي يحملهافوق رأسه بالقفص ثم البؤجة التي تفيح من داخلها رائحة لا يعلمها ولكنها شهية .
– ما تنزل يا صابر اللي علي راسك ، وخلينا نشوف
أبتسم “صابر” عندما رآه ، علي وشك تقبل هديته ، فتمني داخله أن يكون “فتحي” كريماً معه ويمنحه مبتغاه
– البط تربية أم جنه
فلمعت عينين “فتحي” بجوع قد اقتحم معدته فجأة ، رغم إنه منذ قليل ..، قد أنهي وجبة دسمة
– ولا الفطير ، أم جنه عملاه بالسمن البلدي
ازدرد “فتحي ” لعابه ، ولكن معدته لم تتحمل رائحة الفطير الشهي ..، فسالت لعابه ، وهو يلتقط منه واحده , يلتهمها في تلذذ
– هو في فطير ،زي فطير أم جنه
رمقه “صابر” مبتسما وهو يراه يلتهم الفطيرة في قضمه واحده ، ثم توقف عن مضغها يصرخ بغفيره
– واد يافرج ، هاتلي كوباية شاي أبلع بيها
وقف “صابر” في مكانه يُطالعه ..، وينتظره حتي يُفرع من تناول وجبته وكأس الشاي خاصته ..، كانت حرب طاحنة بين “فتحي” والطعام ..، الطعام الذي يعد عشقه أكثر من النساء.
ابتلع أخر رشفة من الشاي ،ثم وقف يمسح يديه وشفتيه أخيراً وقد أمتلئت معدته الجائعة دوماً , متسائلاً وهو يربت فوق كرشه
– خير يا صابر
وكأنه قد فهمه للتو ، بعدما نال وجبته ، واخذ غفيره الطيور التي صدح صوتها بالمكان ، راحلاً بها نحو منزله
ارتبك “صابر” من نظرته وقد وقف قربه ينتظر سماعه
– قول يا راجل متكسفش ، ده أنت غالي عندي
ابتسم”صابر” ضاحكاً داخله علي عبارته
– صفا بنت المرحوم حسن أخو أم جنه ..، محتاج ليها شغل
وهنا قد تحول لطف “فتحي” سريعاً ، بعدما أستمع لطلبه
– هو أنا فاتحها مكتب توظيف يا صابر
وبأهانه كان يُخبره عن مكانته
– ده أنت مجرد فلاح يا صابر ، فاتح صدرك وجاي تطلب مني اشغل بنت اخو مراتك عشان بتسامر ماك في الكلام .. ، طيب يا راجل قولي أشغلها في الأرض ..، لكن تمسك حسابات المزرعه ..، لا ده أنت اتجننت يا صابر
فابتلع “صابر” غصته ، يهتف بنبرة مهزوزه
– البنت مهندسه ، تشتغل إزاي في الأرض
عاد “فتحي” لمقعده ، مفكراً في صمت..، فهو ما زال يبحث عن احداً يساعده في حسابات المزرعة
– البنت يتيمه ، وهتكسب فيها ثواب
اقتنع “فتحي ” بعض الشئ ، ثم هتف بتبجح
– سمعت إنك بتربي خروفين عندك
ومن عبارته ، فهم ما أراد “فتحي”
……………..
ورغم الحزن الذي انتاب “صفا” علي ما ضحي به زوج عمتها من أجلها ، كانت تشارك “جنه” الضحك ..، غير مُصدقين أفعال ذلك الرجل
– خروف وفطير وبط ..، تحسي إننا في فيلم أبيض واسود
تمتمت بها “صفا” ، تنظر نحو “جنه” الغارقة في الضحك
– من وأنا صغيره مسمياه فتحي ابو كرش
– مش عارفة هتستحملي الشغل ما راجل زيه أزاي يا صفا
هتفت بها “جنه”، ثم أردفت ضاحكة بشده وهي تتخيل “صفا” مثل “فتحي” في هيئته
– أنا خايفه تبقي زيه ، بكرش كبير وليل نهار في بؤك السندوتش وفي أيدك كوباية الشاي
دفعتها “صفا” بالحذاء ..، بعدما تخيلت حالها هي الأخري نموذج من هذا الرجل
– ونسألك رايحه فين يا صفا ، رايحه الشغل ..، جايه منين جايه من الشغل ..، وانتي بتشربي معاه شاي بالنعناع وبتلموا البط والبيض من العمال ..، عشان متخصموش منهم
أندفعت “صفا” صوبها بعدما وجدتها مستمرة في مزاحها وكأنها قد وجدت فرصتها اليوم
– بقي أنا أعمل كده ، ماشي يا جنه
غرقت كلتاهما في مزاحهم ، حتي سقطوا فوق ظهورهم ، يتنفسون بصعوبة من شدة الضحك
ابتسمت “جنه” وهي تري “صفا” تضحك أخيراً من قلبها ، تنظر لسقف الغرفة متنهدة ثم أغلقت جفنيها ، فاغمضت عينيها هي الأخري تتمني أن يكون القادم يحمل خيراً لهم .
…………….
رمقتها عمتها وهي تجلس جوارها ..، يشاهدون فيلماً , طالما احبته وضحكت في جميع مقاطعه ، ولكن اليوم ابنة شقيقها ليست هي التي اعتادت عليها ، مسدت ذراعها بحنو متسائله بعدما أصابها القلق عليها
– مالك يا فريده ؟
زفرت “فريده” أنفاسها بحيرة ، وهي تُشيح عيناها عن شاشة التلفاز ، تُطالع نظرات عمتها نحوها
– مبقتش عارفه ولا فاهمه حاجه
واردفت بيأس قد تملك قلبها وهي تتذكر نظراته التي تري فيها وميض من الأعجاب يُخفيه سريعاً عنها ، وأحياناً بروداً كالصقيع لا تتحمله ..، يشعرها بأنها تجري وراء رجلاً لن يمنحها قلبه يوماً
ضمتها عمتها إليها مشفقة عليها ، فلما حظ صغيرتها هكذا
– يا حببتي ، الحب مش بيجي بالسهولة اللي أنتي فكراها ..
– بس أنا حبيته من أول مره شوفته فيها يا عمتو
تمتمت بها “فريده” وهي تدفن حالها بين ذراعي عمتها ..، ابتسسمت عمتها وهي تستمع لعبارتها التي تحمل يأسها وضجرها
– مش يمكن متكونيش حبتي ، ويكون مجرد إعجاب بس
انتفضت “فريدة” مبتعده تنظر نحو عمتها بنظرات لائمه
– لا يا عمتو ، أنا متأكده من مشاعري ..، بس ياريت هو يحس بحبي
فالتقطت “كريمه” كفيها تمسح فوقهما وهي تتمني أن يُحب هذا الشاب أبنه شقيقها
– مدام في نظرات إعجاب منه ، حتي لو بيحاول يداريها ..، يبقي في أمل يا فريده
واردفت بعدما رأت السعاده لمعت في عينيها
– حاولي تشاركيه كل حاجة بيحبها ..، أهتمي بأدق تفاصيله .، الراجل لو مخترش الست بقلبه بيختارها بعقله يا بنتي
– بس أنا عايزاه يحبني بقلبه ، مش بعقله
انفرجت شفتي “كريمة” في ضحكه عاليه ، غير مصدقه أن التي تجلس جانبها هي “فريدة” التي كانت تتأفف حنقاً كلما أخبرتها عن أحداً قد تقدم لخطبتها من والدها
– بكره لما يشوف حبك ..، هيحبك يا فريدة
…………..
إنه اليوم الأول لها في عملها، نظرت للمزرعة برهبة..، واتبعت زوج عمتها بخطوات متربكة.. ،دلف “العم صابر” نحو غرفة متوسطة الحجم مُشيراً إليها بأن تتبعه
– جبتلك صفا، تعالي يا بنتي.. ، ده الاستاذ فتحي يا صفا
هتف اسمه ملقبً له باحترام، بعدما طلب منه فتحي ألا ينطق اسمه مجرداً أمام موظفته الجديدة والفلاحين.. ،فلو كان احيانا يتركه ينطق اسمه هكذا ف تقديرا لا أكثر لعمره
قيمها “فتحي ” بنظراته، فاطرقت “صفا” رأسها تنتظر أن تسمع كلمته الأخيره بعد تقيمه لها
واخيراً نطق “فتحي”
– معنديش تهاون في الشغل، أنا هنا الكل في الكل
رفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لموافقته، متنهدة براحة فلو لم تحصل علي تلك الوظيفة، لكانت أندفعت نحو كرشه لتخرج ما تناوله من خروفهم المسكين
– طبعا يا استاذ فتحي، صفا مش جاية تدلع، مش كده يا صفا
طالعت زوج عمتها، ثم طالعت الواقف أمامها ومازال يتفرسها بنظراته
– فين الدفاتر اللي هرجعها يا أستاذ فتحي
ارتفع حاجبي “فتحي” وهو يستمع لعبارتها..، فقد أظهرت جديتها من أول يوم، وهذا يبشر بالخير والراحه إليه
أشار نحو طاولة صغيرة بمقعد، عليها كومة من الملفات متمتماً
– الدفاتر عندك، وياريت تكوني بتفهمي كويس في الحسابات
ورغم أنه لم يكن تخصصها، إلا إنها كانت بارعة وذكية ولكن عيبها الوحيد الذي كانت تُخبرها به والدتها دوماً إنها كسوله غير طموحه إلا في أحلامها التي تظن إنها ستحصل عليها وهي جالسة فوق فراشها، ولكن ها هي الأحلام قد انتهت
ودعها “العم صابر” داعياً لها بالتوفيق..، فرمقها “فتحي” بجدية واهية لا تليق علي رجلاً مثله
– وريني شطارتك بقى
التمع التحدي في عينيها وهو تتقدم نحو المقعد، تجلس عليها وتلتقط أول الدفاتر لتراجعها وعينان فتحي تترقبها
……….
توقف جوار “رامي” صديقه، في المعرض الفني الذي تمت دعوتهم إليه من قبل إحدى الصديقات، كان “احمد” غارق في مطالعة كل لوحة بتدقيق وحس، يُحلل غموضها ل رامي، الذي بدء يضجر من وجوده هنا، صحيح هو يحب مثل الدعوات ولكنه ليس ك “احمد” الذي يترك لواحة إلا وقيمه بابعادها الهندسية
– نفسي أفهم، أنت مبتزهقش..، ده كل لوحة بتقف قدامها بالنص ساعه
تمتم “رامي” عبارته متأففً، فرمقه “احمد” وعلي وجهه ابتسامه تجعل من أمامه يزداد حنقاً، ثم رمق ساعته
– اللوحة ديه مأخدتش غير عشر دقايق
وانتقل للوحة اخر، فتنهد “رامي” بقوة
– انا هطلع برة ادخن سيجارة، تكون خلصت دراسة الأبعاد الهندسيه والحس الفني يا بشمهندس..
ابتعد ” رامي”، خطوتين، ثم عاد خطوتين مضيفاً إليه لقبه الأخر المجهول
– و يا حضرت الكاتب العظيم
ضحك “احمد” رغماً عنه، ثم عاد لجديته متنحنحاً واخذ يدقق في تفصيل اللوحة التي أمامه
– مش معقول أنت هنا يا بشمهندس
التف “احمد” نحو الصوت الذي يعرفه تماماً، فتقدمت منه “فريدة ” تمدّ له يدها تُصفحه
– فريدة !
ابتسمت بعتاب، فرغم بعدها عن العمل لثلاثة ايام، حتي تعلم مكانتها بالنسبة إليه، إلا إنه لم يُفكر للحظة في مهاتفتها حتي لو كانت مكالمته عن العمل ولكن ” احمد السيوفي” باتت تعرفه وتُدرك إنها الطرف الذي يركض حول تلك العلاقة
– بقالك تلت ايام بعيدة عن الشغل، سألت محسن بيه عنك قالي إنك مريضه
ارتفع حاجبها بذهول، فلم يُخبرها والدها عن الأمر
– إرهاق وشوية برد
– سلامتك
مجرد كلمة نطقها، كانت تعيد الأمل إليها ثانية، وداخلها كانت تخبر حالها إنها ليست إلا حمقاء أمام هذا الرجل
طالت نظراتها نحوه، وقد شعرت بالحرج وهي تراه يعود لمطالعة اللوحات، وبعد مدة من الصمت سألها
– بتحبي اللوحات
– بحب أي حاجه فيها.. فن
التف إليها ينظر في عينيها، بعدما أعطته الجواب..، علقت عيناه بشفتيها وملامحها وهو يعرض عليها مرافقته الليله لتناول العشاء
– إيه رأيك نتعشا سوا النهاردة
وبسعادة كانت تُعطيها جوابه، ضاربة بكل حديثها هذا الصباح مع عمتها عرض الحائط..، بأنها ستريه “فريدة” أخرى قوية.
…………
التمعت عينين الواقفة بسعادة، بعدما تقدمت من موظف الاستقبال في ذلك الفندق الفخم الذي ستقيم فيها..، وقد منحها ذلك الرجل الذي قضت برفقته , يومين تُمتع بهم حالها تقديراً لمهامها في جعله ينال متعته
– في اوضة محجوزة باسم ليلى إبراهيم
هتفت بها ثم مضغت علكتها ، بعدما حركت لسانها فوق شفتيها المطلية باحمر شفاه صارخ
– الشهيرة ب لولا يا روحي
طالعها الموظف, وكأنها لم يسمع عبارتها الأخيرة ، وابتسم متمتماً
– اتفضلي يا فندم، ضيافه سعيدة
اعطاها مفتاح الغرفة، فنظرت بسعادة للمفتاح..، ثم المكان حولها غير مصدقة إنها ستقضي ليلتين هنا تكون فيهم كالسائحات
تحركت بضعة خطوات، بعدما حمل العامل حقيبتها وسار أمامها
..، فسارت خلفه بغنج، وعيناها تدور بالمكان .. تخبر حالها ان صيدها الجديد من الرجال الأثرياء أمره سهل هنا، هكذا حدثت نفسها وشجعتها حتى تنال صيدها ، و لا تخرج من خالية الوفاض من هذا المكان..، ولكن مهلاً إنها تري شخصاً تعرفه هنا..، يسير علي مقربة منها بخيلاء , وكأن لا أحد غيره بالمكان ويرافقه رجلاً اخر وقد تخطاها
رفرف قلبها وهي تلتف بجسدها تنظر لهيئة جسده وذلك الوقار الذي يتمتع به..، حالمة بليلة تقضيها بين ذراعيه تقسم داخلها إنها ستجعله يصل لأكثر درجة من الانتشاء ولكن يعطيها فقط إشارة واحده
غادر الفندق تحت نظراتها ، تُخاطب حالها بتنهيده طويلة
– الوصول ليك صعب يا باشا
احتلي اليأس معالم وجهها، ولكن سرعان ما اشتعل الأمل داخلها متمتمه
– وفيها إيه لما تحاولي تاني يا لولا، ده انتي لولا اللي محدش بيقدر يقاومها
عادت بادراجها نحو موظف الاستقبال، وقد ضجر العامل الواقف ، منتظراً لها.. حتى يرشدها نحو غرفتها
وبلباقة ورقة ، كانت تأخذ بعض المعلومات من موظف الاستقبال عن “عامر السيوفي” بعدما أخبرته إنها علي معرفة به.
وببضعة من الورقات المالية كانت تحصل علي مساعدة حامل الحقائب، الذي اتفقت معه أن يخبرها بعودته
التقطت أذنيها , رنين الهاتف في لفهة، فنهضت علي الفور من فوق فراشها بعدما كانت جالسة عليه تطلي اظافرها، ازالت مئزرها وقد ارتدته فوق فستانها العاري الذي يشبه ثياب النوم واندفعت نحو مرآتها تصفف شعرها بعجالة ثم نثرت عطرها بغزارة فوق ثوبها..،
تأكدت من زينة وجهها واحمر الشفاة الصارخ..، ثم القت بنظرة سريعة علي هيئتها مبتسمه بسعادة علي أنوثتها الصارخة التي لا يُقاومها الرجال
وبخطوات متوترة كانت تلتف حولها في خوف ، وهي تطالع الممر الذي تسير فيه نحو جناحه الخاص، ف بالتأكيد رجلاً مثل “عامر السيوفي” لن يكون مثل النزلاء كحالها ويقيم في غرفة عادية رغم الفخامة التي يتميز بها الفندق
وبقلق مصحوب مع تسارع دقات قلبها.. ،وقفت تطرق الباب منتظرة، تمللت في وقفتها وعادت تطرق الباب مجدداً إلى أن فتح الباب وهو يُجفف شعره دون أن ينظر للواقف وقد ظنه احد موظفي خدمة الغرف
– مش محتاج حاجة حالياً ، واتمنى محدش يزعجني
وقبل أن يغلق الباب، دون أن يعرف هوية الواقف..، كانت تزيح ذراعه عن الباب وتدلف للداخل تهتف بدلال
– كده برضوة يا باشا
تجهمت ملامح “عامر” وهو يري الواقفة أمامه، وقد ظهر الغضب في عينيه
– اوعي تقولي إنك نستنى يا باشا
واسرعت هاتفها، تعرفه بحالها وذلك المكان الذي التقت به معه
– انا لولا يا باشا، لولا اللي بتيجي شقة شريف بيه
ازدادت تقطيبته وهو يتفرس ملامحه وقد تذكرها، إنها إحدى النساء اللاتي يجلبونها في حفلاتهم الخاصة..، حتي يمتعوا حالهم بوجودهن ورغم إنه بعيداً عن تلك التجاوزات التي يفعلها بعض الأصدقاء من أجل تلبية شهواتهم.. ،إلا إنه كان يرافقهم في الجلوس لا أكثر
ومع صمته، كانت الواقفة تبتسم وقد ظنت إنها نالت إستحسانه هذه الليلة
– طول عمرك تقيل في نفسك يا باشا، وده اللي هيجنني عليك
وتقدمت منها، وقبل أن تمدّ يديها لتداعب صدره بطريقتها التي تتقنها، كان يقبض فوقهم بقوة، دافعاً لها بعيداً عنه متمتماً
– خدي بعضك واخرجي من هنا، بدل ما افضحك في الفندق
ابتعدت عنه خوفاً، بعد تصريحه وقد رأت نظرته الشرسة التي لا توحي إلا بصدق كلماته
– ليه كده بس يا باشا، ده انا مش عايزة حاجة غير إن ابسطك
– بت انتِ، أنا مش ناقص وجع دماغ يلا برة
دفعها بقوة من أمامه، كادت أن تُسقطها
– خلاص يا باشا براحه، همشي اه
فانفعل وهو يراها تتبطئ في السير، فتمتم بقسوة
– أنا ليا كلام تاني مع إدارة الفندق، إزاي يدخلوا ناس أمثالك
تجمدت في وقفتها بعدما استمعت لعبارته، واسرعت نحوه تقبل كفه، بعدما سقطت أسفل قدميه
– لا يا باشا بلاش الله يكرمك، أنت عايز تفتح عيون بوليس الأداب عليا
وقبل ان يدفعها عنه، كان ينظر لهيئتها التي أشعلت جزءً من رجولته..، رفعها من خصلاتها ينظر نحو شفتيها وجسدها
– بتحبي الإهانة أنتِ
صمتت وهي تري نظراته المشتعلة بالرغبة
– عارفه ليه؟
سألها وهو يُحرك اصبعه فوق شفتيها في قسوة
– عشان اغلبكم كده، بيجروا ورا غريزتهم
ثم دفعها بيده حتي أصبحت أمام الفراش، وبدفعه أخرى كان يسقطها فوقه، ناظراً لجسدها الذي يفضحه الثوب بسخاء
ورغم شراسة لمساته إلا إنها كانت مستمتعه، راغبة..، ولكن في لحظة كانت يُخرجها من نعيمها، ينهض عنها جاذبً لها بعنف متمتما
– بره
نظرته وصوته لم يكن بهما إلا الغضب، فلم تجد إلا أن تلملم ثوبها وتخطو بسرعة قصوى لخارج الغرفة.
………..
تنهد احمد ضجراً، يستمع لصوت شقيقه الغاضب ، وهو يخبره ان يذهب اليوم للمزرعة بسبب بعض المشاكل التي تحتاج لأحدهم
– مش لازم اروح يا عامر، لما ترجع من الغردقة روح أنت..، مافيش حاجة هتحصل يعني ديه مجرد مشاكل بسيطة
تنهد “عامر” بمقت، وهو يستمع لحديثه البارد الذي يزيده حنقاً
– والبشمهندس هيفضل لحد أمتي بيهرب، ورامي مشاكل الأرض عليا
– عامر!
هتف “احمد” مزمجراً ، بعدما قبض فوق هاتفه بقوة وهو يفهم ما يُلمح إليه شقيقه..
– هتفضل بتهرب من الذكريات لحد أمتي ،؟ مها ماتت افهم بقى
– كفايه يا عامر
تمتم بها، وهو يهوي بجسده فوق المقعد..، بعدما لم يعد يتحمل وقفته والذكريات تقتحم قلبه، تُذكره بتلك الحبيبة
– مـ,ـوتها كان قضاء وقدر..، افهم يا بشمهندس بدل ما أنت عايش ومحمل نفسك موـ,ـتها
انسابت دمعه من جفنيه، بعدما اطبق فوقهما بقوة، وقد أخذه الحنين لتلك السنين التي كان فيها أسعد رجلاً
– تروح النهاردة المزرعة، ومش لازم تبات هناك ارجع في نفس الليلة..، بس شوف المشكله وحلها لأن فتحي مش عارف يتصرف
أنهي “عامر” حديثه، ثم أغلق الهاتف يقذفه فوق الفراش متنهداً بضيق
– متستحقش تعيش علي ذكراها يا احمد
والتمعت عيناه بقسوة عندما تذكر ذلك اليوم الذي ركض إليه احد رجالة في المزرعة يهتف إليه بخوف
” لقينا ممنوعات في الإسطبل يا بيه”
الفصل السابع
********
انكبت فوق الدفاتر التي لا تنتهي من مراجعتها ، والسيد فتحي لا يفعل شئ سوي أن يراقبها ويسألها عن بعض حسابات المحاصيل التي تم بيعها في الأشهر الماضية ..، وهي ما كان عليها إلا أن تثبت له كفاءتها بالرد السريع دون إخفاق ..،
استطاعت في الأسبوع الذي مضي علي وجودها معه ..، أن تنال إعجابه بذكائها , ولكن ذكاءها لم يكون في المرتبة الأولي بالتأكيد ..، فاعجاب
“السيد فتحي” لم يكن إلا لمدحها الدائم له عن قدرته علي السيطرة وحل الأمور ،
كانت نبيهة الفهم كما أخبرها بعد يومين من العمل لها معه
– كل ده بتخلصي مرجعة الشهر اللي فات يا صفا
والتقط كأس الشاي الموضوع أمامها ، ثم تلك السندوتشات التي تصّر عمتها علي أخذها
– حسابات الشهر اللي فات فيها لخبطه كتير ، يا استاذ فتحي
طالعها “السيد فتحي” بعدما أخذ يلوك الطعام بفمه ، ثم ارتشف كأس الشاي خاصتها تحت نظراتها المصدومة ..، فا هو طعامها من بضعة سندوتشات يلتهمها
– عايز الملف يخلص النهاردة ، بدل ما يكون في خصم أخر الشهر
امتقعت ملامحها وهي تسمعه ، فرغم كل ما تفعله لهذا الرجل ، وإطراءها له بكلمات كاذبه ..، لا يكف عن تهديداتها بالخصم من راتبها الذي تنتظره بفارغ الصبر
– هو مافيش جهاز كمبيوتر نسجل عليه الحسابات ، في برامج سهله وسريعه نقدر ندون فيها الحسابات من غير الدفاتر ديه كلها
طالعها “فتحي” وهو لا يفهم شئ مما تقوله ، ولكنه تمتم بعدما أنهي اخر رشفة من كأس الشاي
– كان في جهاز كمبيوتر وباظ ، بقولك إيه يا صفا متوجعيش دماغي بكلام المتعلمين ده ..، شوفي شغلك
أماءت له برأسها مع أبتسامة سمجه اصبحت تُجيدها من أجله ، وفور أن غادر المكان ..، تجهمت ملامحها تقبض فوق كفيها بقوة
– فتحي ابو معده تشيل ألف وجبة
……………………………………….
غادر الشركة بخطوات متعجلة ، وهو حانق من إجبار “عامر” له للذهاب للمزرعة ..، أعطاه الحارس مفتاح سيارته بعدما أخرجها من جراج الشركة، ثم
ازال رابطة عنقه ، وقد بدء يشعر بالأختناق ، والغضب من كل شئ
– أحمد
استمع لصوتها وهي تتقدم منه بخطوات سريعة ، تحمل بعض الملفات وعلي وجهها نظرات متسائله
– أحمد أنت رايح فين؟
وعندما رأت نظراته القوية وكأنه غاضب من شئ ما ، هتفت
– أنا كنت جايه عشان نراجع شوية حاجات ، خاصه بالمشروع زي ما اتفقنا
طالعها “احمد” بهدوء ، بعدما تدارك أمره ، معتذراً بلباقة قبل أن يصعد سيارته
– اسف يا فريده ، نسيت أبلغك قبل ما توصلي إني رايح المزرعة عندنا في البلد
وبحماس اندلع من عينيها ، اخذت تهتف راجية
– أرجوك خليني أروح معاك
كانت كالطفلة , مُلحة في رجائها
– فريدة ، أنا مش رايح فسحة ..، في مشاكل رايح احلها بدل عامر
واردف بعدما ادار مفتاح سيارته ، وقد أشاح عيناه بعيداً عنها
– عامر بيروح المزرعة كتير …
وقبل أن يُخبرها إنه سيخبر “عامر” ليصطحبها معه المرة القادمه ، كانت تندفع صاعده نحو المقعد المجاور له..، تزيل نظارتها عن رأسها متمتمه
– أرجوك ، أنا عمري ما شوفت الريف .. وهتكون رحلة جميله بالنسبالي
أعترض ، بل ووضع الحجج التي تمنع قدومها معه ، ولكنها لم تكن تسمعه ، تنهد ضجراً وهو يرمقها قبل أن يتحرك بسيارته نحو الطريق لمدينة المنصورة
فارتسمت السعادة فوق ملامحها غير مصدقة أنه اصطحبها معه ، رغم رفضه الشديد ..، رمقها خلسة حانقاً ..، فنفرجت شفتيها في ضحكة جميلة لا تُصدق إنه حانق هكذا
– مش هتتخلص مني ، غير لو فتحت العربيه ورمتني منها
مازحته وهي تضحك ..، وما كان عليه إلا أن يُشاركها الضحك بل والمزاح ..، وفي تلك اللحظه لم تكن تُصدق بأن الذي يُثرثر ويضحك معها هو
“احمد السيوفي” .
…………………
رفعت عيناها عن الدفاتر بأرهاق ، بعدما وجدت “السيد فتحي” قد دلف للتو اخيراً ، فنهضت عن مقعدها واسرعت إليه تحمل له أحد الدفاتر حتي تسأله عن شئ ما ، ولكن “فتحي” كان في عجالة من أمره هاتفاً
– أنا رايح البيت عندي ، اي حاجة تحصل رني عليا
– بس أنا محتاجة ، افهم حاجة منك يا أستاذ فتحي .. ، الحسابات هنا فيها شوية لخبطه
رمقها “فتحي” بضجر ، واسرع مُغادراً
– بقولك إيه يا صفا ، انا وافقت علي شغلك هنا ..، عشان تعملي كل المطلوب
وانصرف قبل أن يسمع عباراتها ، التي لو كان سمعها لطردها علي الفور
– ده أنا بقيت شغاله بدالك في كل حاجة ..
واردفت متهكمه، بعدما اصبح لديها معلومه بأنه زوج لأثنتين
– ما أنت لازم متكونش فاضي ..، مش متجوز اتنين
………………..
توقف “احمد” بسيارته جانب الطريق ، يلتقط أنفاسه بصعوبه بعدما لم يعد لديه قدرة علي المواصله ..، طالعته “فريده” بقلق تتسأل وقد أنتابها الذعر
– أحمد مالك ؟
– مخنوق يا فريدة ، حاسس إن روحي بتنسحب
– طيب تعالا مكاني ، واسوق بدالك
استجاب لها بعدما طالع الطريق أمامه ، فهو لن يتحمل المرور منه ، فالذكري مازالت محفورة داخله
احتلت مقعده ، ثم طالعتها بعدما طالعت الطريق الزراعي الطويل متسائله
– أفضل ماشية علي طول الطريق
أماء لها بعدما أغمض عيناه ، واسترخي برأسه فوق زجاج السيارة ..، غارقاً مع ذكرياته وتفاصيل الحادث قد عادت إليه رغم مرور خمس سنوات ولكن كل شئ ظل محفوراً داخله
تحركت بالسيارة ببطئ بسبب وعرة الطريق ..، ومن حينا إلي أخر كانت تنظر الي تشنجات وجهه وتلك الحالة العجيبة التي اصبح عليها فجأة.
ترقبته بنظرات طويلة بعدما توقفت أمام البوابة الضخمة الخاصه بالمزرعة ..، فرأته يعتدل في مكانه ..، يفرك جبينه بقوة وكأنه يطرد شئ ما يقتحم عقله
– خلينا نروح مستشفي هنا ، شكلك بيقول أنك مش كويس
هتفت بها “فريدة” وقد عاد القلق يرتسم فوق ملامحها ، طالعها بنظرة ضائعه ..، وهو يُحاول الثبات للعودة ونفض ذلك اليوم الذي اقتحمه بشدة عندما اصبح في البلده
– انا كويس يا فريده
– هو إيه اللي حصلك يا أحمد فجأه
رمقها قبل أن يلتقط زجاجه الماء من أسفل قدميه ، وترجل من السيارة ..، يزفر أنفاسه ..، ثم مسح وجهه بالماء بعدما أرتشف منه القليل ..، فغادرت السيارة هي الأخري واتجهت نحوه
– فريدة لو سامحتي مش عايزك تسألني عن السبب
طالعته في دهشة ، فهي تشعر بالقلق عليه ، وتريد معرفة السبب الذي جعله هكذا ..، وهو يُخبرها بكل بساطة أن لا تسأل عن شئ ، وقبل أن تهتف بحديث أخر كان يتجه نحو مقعده وينتظر صعودها السياره وهو يدق بوق السيارة بقوة ..، لتنفتح البوابة علي مصرعيها بعد لحظات
……………..
استرخت “صفا” في جلستها، متنهدة براحة بعدما جاء وقت استراحتها..، تمتمت حانقة وهي تنظر للمكتب الخالي..، ف بالتأكيد “السيد فتحي” الأن في منزله يتناول الطعام ، لدي زوجته الثانية .. ويأخد قسطً من الراحه ويتركها هي بين الدفاتر، ولا تهاتفه إلا إذا حدث أمر طارئ ..، وخاصة إذا جاء
” السيد عبدالرحيم” اليوم، ذلك الموظف المسئول عن عقود التجار وعقود صفقات البيع، مدّت ذراعيها للأمام لعلها تخفف الامهم من شدة تصلبهم،ثم
شعرت بالجوع فاسرعت في اجتذاب حقيبتها ولكن توقفت عن التقاطها وهي تتذكر أن “السيد فتحي” ذو كرش متسع تناول طعامها..، القتها حانقة فالخروج من المزرعة قبل موعد الإنصراف غير مسموح سوي لفرد واحد بالتأكيد ” السيد فتحي” الذي لديه صلة قرابه مع السيد الكبير
– أنا لازم بعد كده اعمل حسابه معايا في السندوتشات، مش كل يوم تفضل معدتي تتعصر من الجوع وهو ياكل اكلي
تمتمت بطفولة، وهي تمسح فوق معدتها الجائعة.. ، عادت تفرد بجسدها قليلا وخاصة تلك المرة ساقيها، ولكن هناك شئ قد جلبته معاها بل شيئين..، اتسعت حدقتيها سعادة .. إنها قد تذكرت ، فحقا لم يعد لديها ذاكرة بعد تلك الحسابات والمراجعات التي لم يعد لعقلها أن يتسع لغيرهما
التقطت حقيبتها مرة أخرى، حتى تخرج كنزها الثمين الأول..، كعكة قد ابتعتها وهي اتية حتى تدلل معدتها مع كأس الشاي
وكنز أخر, ها هو يخرج ببطء، كتاب لكاتبها المتيمه به..، ورغم فقدها لشغفها بعد ما مرت به إلا أن أمس أتت إليها “جنة” به حتى يُسليها في عملها عندما تجد وقتً
طالعت الكتاب بشغف، تسأله كأنها تسأل حالها
– تفتكر هقرء كلامك زي ما كنت زمان ؟
وخرجت تنهيدة حزينة منها وهي تفتحه..، ولكن هذه المرة كانت تعيش داخل ما افتقدته منذ أشهر
استمعت لصوت في الخارج ولكنها لم تهتم، ف اهتمامها كان منصب علي كعكتها وكتابها
– نورت المزرعة يا احمد بيه
تجمدت عيناها نحو الأسطر، فالصوت أصبح قريبًا منها للغاية
– فين فتحي، يا صفا
والصوت لم يصبح قريبًا فقط، بل هتف أحدهم باسمها
انتفضت عن مقعدها وقد اتسعت عيناها ذهولاً، وهي تري الواقفين أمامها.. ،السيد عبدالرحيم الذي رمقها حانقاً من ذهولها اللعين، وسيدة جميلة أنيقة تُطالع المكان بعينيها بنظرة لا تعرف لها معنى، ورجلا يقف بشموخ وقوة ورغم الأرهاق الظاهر فوق ملامحه إلا إنه كان وسيم بل وسيمً جداً كابطال الروايات
تعلقت عينين ” احمد” بالكتاب الذي تمسكه وقد ظنت إنه يرمقها هي، وسرعان ما اشاح عينيه عنها، يهتف بغضب
– مش معقول يكون في إهمال كده يا استاذ عبدالرحيم، فين استاذ فتحي
توتر ” عبدالرحيم” وهو ينظر نحو “صفا” التي وقفت متجمدة الملامح.. تنظر إليهم
– قولتلك يا بشمهندس إن فتحي مستقوي بالقرابة اللي بينكم
تنهد مضجراً، وقد عاد يُطالع “صفا” بنبرة جامدة
– أنتي هتفضلي واقفه كده، فين استاذ فتحي يا استاذه
صدح صوته الصارخ، مما افزع “فريدة ” الواقفة جواره، انتفضت “صفا” من حالتها الغريبة..، فما الذي حدث لها لتكون هكذا أمام هذا الرجل، تمالكت حالها وبنبرة حاولة أن تخرج ثابته
– استاذ فتحي راح يشوف مشكله حصلت في الأرض
رمقها “عبدالرحيم” وهو يعلم بكذبتها، فاسرع بنداء العامل الذي يقف خارج الغرفة
– عبدالمجيد، روح الأرض ونادي فتحي، قوله البيه هنا
اسرع العامل مغادراً، فبهتت ملامح “صفا”، وهي تري نظرة ” السيد عبدالرحيم” المتهكمه نحوها.. ،ولكن ما افزعها تلك النظرة التي رمقها بها السيد الأخر صاحب الهالة القوية
– احمد خلينا نروح الأرض إحنا، ونشوف الموظف المهمل ده هناك
تمتمت “فريدة” بنبرة رقيقه، وهي ترمق “صفا” التي أنشغلت في البحث عن شئ ما فوق سطح المكتب..
أعجب” السيد عبدالرحيم” بهذا الاقتراح الذي هتفت به السيدة الجميلة، لأنه يعلم بأن فتحي ليس هناك، وهكذا سيتخلص منه ومن عجرفتها التي يمقتها
– أنا شايف إن اقتراح الهانم، صح يا احمد بيه واه حضرتك تشوف المحصول
كاد أن يوافقهم” احمد” علي الاقتراح، رغم إنه لا يُريد الدلوف لداخل المزرعة، فقد استطاع تجاوز شعوره هنا بصعوبه
طالعتهم ” صفا” وقد نسوا وجودها، ولكن اخيراً تنفست براحة وهي تري” السيد فتحي” يُجيب علي مكالمتها وقد فتح الخط ، وبالتأكيد قد أستمع للحديث الدائر هنا
رمقها “احمد” بنظرة ممتقعة، فكيف لها أن تعمل هنا وعلي ما يبدو إنها لا تفهم شئ
– استاذ عبدالرحيم، دفاتر محصول الشهر اللي فات..، مش المفروض هتوريها للبيه، ده استاذ فتحي قالي لازم حضرتك تطلع عليها
تمتمت بها وهي تتجه نحوه، دون أن تعير صاحب المكان أي نظرة، فقد انتهت لحظات هيامها بذلك المتعجرف من أصحاب المال
التقط “السيد عبدالرحيم” منها الدفتر، بعدما علم إنها فعلت ذلك لتؤخره عما يريد حدوثه، ولكن ما اذهلها واذهله، أن” أحمد” هو من مدَّ يده ليأخذه منه ، بعدما رمقها بنظرة قاتمة لتجاهلها له
ابتسمت ” صفا” وهي تري نظراته إليها وقد تبدلت، بعدما كان يظنها فتاة لا تعرف أن تتحدث
طالعتها “فريدة” ولم تخفي عنها ابتسامتها، بعدما استطاعت تلك العاملة أن تجذب انتباه، حتي لو بتلك الطريقة التي فهمتها
– احمد مش هنروح الأرض
– لو عايزة تروحي أنتي يا فريده، ممكن استاذ عبدالرحيم ياخدك معاه..، ويبعتلي بنفسه الموظف اللي المفروض كنت الاقيه موجود في مكتبه
تمتم بها ” احمد” الذي جلس علي أحد المقاعد، يُطالع الدفتر ويتمنى داخله أن تكون هذه الفتاة مهملة، لتنال طرده فهي لم تروقه
تنهدت “فريدة” بضجر وحنق من معاملته، واقتربت من احد المقاعد تمسحها بمنديلاً، فحدقت ” صفا” بها ولم يعد لسانها يستطيع أن يكف عن الحديث
– المكتب نضيف يا فندم، متقلقيش
ولكن “فريدة” لم تهتم بحديثها
– هاتي دفتر موسم الصيف
تمتم بها “احمد” ومازالت عيناه نحو الدفتر
– صفا، لسا جديدة هنا، شغاله من اسبوع..، متوقعش هتعرف حاجة عن توزيع الدفاتر
فرفع “احمد” عيناه نحو الواقفه التي اتجهت علي الفوز نحو احد الأركان تبحث عن احد الدفاتر، متمتمه بعدما التقطت الدفتر
– الدفتر، اه يا فندم
تجهمت ملامح” عبدالرحيم” وخرج من الغرفة حتى يُهاتف التاجر الذي حدثت معه المشكله الأخيرة بسبب المحصول الذي لم يحصل إلا علي نصفه كما اتفق مع فتحي
التقط منها “احمد” الدفتر، وعيناه لأول مرة منذ زمن تدقق في تفاصيل ملامح امرأة بتلك الطريقة..، ارتبكت “صفا” من نظرته، وقد اشاح عيناه نحو الدفتر ، وعاد لجموده وقد انشغلت “فريدة” في تصفح هاتفها.
أتى ” السيد فتحي” أخيراً وقد خلصها من متطلبات هذا الرجل وجمودة
ولأول مرة تشعر بالسعادة وهي تستمع لتوبيخ أحدهم، ولكن توبيخ الجالس، لفتحي الذي وقف مطرق الرأس قد اطربها
– يا احمد بيه، مشكلة التاجر منه هو ..، هو اللي مرضاش يا خد النص التاني الطلبية لانه شايفها مش بنفس الجودة
– وليه المحصول مبقاش بنفس الجودة
طرق “احمد” كفه بقوة فوق سطح المكتب، فطالعه” فتحي” بتوتر
– مافيش مهندس زراعي كويس، اللى كان قبل ده..، كان بيفهم في أمور الأرض لكن
والتف خلفه، يرمق عبدالرحيم
– استاذ عبدالرحيم هو اللي معينه، عشان ابن اخته
وهنا قد بدأت حارب طاحنة، بين عبدالرحيم وفتحي بالألفاظ..، حتى اتي اسمها بالحديث وكل منهما يخرج ما بجبعته
– عامر بيه، لازم يعرف كل اللي بيحصل هنا..، وقريب هيكون ليه زيارة
القى الواقف عبارته، بعدما ظهرت معالم الغضب فوق وجهه، وقد نسي أي حديث قد تم قوله ولم يتذكر إلا أن تلك الواقفه ليست تمتلك شهادة خاصه بمجال المحاسبة
– وانتي يا استاذه..
لم تنتبه “صفا” علي حديثه، بل كانت تقف مبتسمه كالبلهاء وهي تستمع للتوبيخ الذي حدث لفتحي وعبدالرحيم وكيف وقفوا مطرقين الرأس في صمت ،
وبنبرة قوية كان يكمل حديثه متسائلاً بغلظة
– معاكي شهادة ولا مجرد دبلوم يا أستاذة
انتبهت “صفا” علي حديثه، وقد توقفت عيناها نحوه، وقد رمقها بنظرة محتقرة بعدما فهم الوضع
– لا أنا مهندسه اتصالات يا فندم
القت عبارتها بثبات، حتي تزيل تلك النظرة التي تقلل من قدرها
– و اظن يا فندم محدش بيشتغل بتخصصه ، لكن الكفاءة بتحكم، وحضرتك شايف الدفاتر قدامك.
تفاجأ” احمد” بردها، ف الفتاة التي يظنها بلهاء، تقف تجيب عليه دون أن تهتز
– بس الحسابات مش من تخصصك، وممكن تخسري المزرعة فلوس كتير
قالتها “فريدة”، وهي ترمق “صفا” بنظرة متهكمه
– مافيش مشكله يا فندم، تقدر تفصلني عن الشعل
قالتها بثبات وقوة لذلك الواقف ، والتفت بعينيها نحو “فريدة” التي رمقتها بحقد
طالعت فريدة “احمد” تنتظر أن يؤكد علي كلامها ولكن “احمد” كان يُحدق بالواقفة أمامه، إنها تُذكره بها ليس في الملامح ولكن بشخصيتها، شخصية لا تعرف اهي بلهاء، ام ضعيفة..، ام قوية .. تفرض حضورها إذا لزم الأمر
……….
انتبهت “جنه” بكل حواسها لما تقصه عليه “صفا” غير مصدقة ما حدث اليوم، ومناطحتها لهذا الرجل الذي وصفته بالبرود الذي لم تري مثيله بحياتها، قطبت “جنة” حاجبيها وقد عادت “صفا” لوصفه لها
– أنا شايف إنك كنتي مركزه مع عيونه اوي يا صفا
هتفت بها “جنه” بمكر قد خُفى عن عينين” صفا” التي أنشغلت في طيّ الملابس ورصها في الخزانة الصغيرة
– ولا شعره يا جنه، شعره ناعم واشقر..، هو مش اشقر اوي..، بس زي الاجانب كده
اتسعت عينين “جنه” ذهولاً، ولطمت صدرها تشهق بقوة
– نهار اسود، ده انتي فصصتي الراجل، فين صفا اللي بتكثف تبص علي أي راجل.. ،ده أنتي كان أخرك الروايات
طالعتها “صفا” بعدما شعرت بالصدمة من حالها، فكيف أخرجت ذلك الحديث من داخلها..
– هو أنا حكيت حاجه اكتر من وصفه ياجنه
رمقتها “جنه” بتلاعب، وقد أدركت الوضع الأحمق الذي شردت به “صفا” برجلاً لن تصادفه مرة أخرى
– أنتي حتى لو مقولتيش , عينك فضحتك
طالعتها “صفا” حانقة، بعدما دفعت بالثوب الذي طوته للتو إليها ، ثم القت بجسدها فوق الفراش
– اول مرة راجل يخطف قلبي كده يا جنه
لم تتحمل “جنه”، ذلك الهيام الذي تسمعه منها، فتعالت ضحكتها غير مصدقة حالتها اليوم
– ياصفا يا حببتي انتي اخرك أبطال الحكايات اللي انتي بتتخيليهم في أحلامك، ومراد زين الكاتب العجوز اللي بتحبي
ولم ينتهي تهكم “جنه” إلا عندما قذفتها “صفا” بالوسادة الثقيله، وقد انبطحت بعدها، انفرجت شفتي صفا في ضحكة عاليه..، أتت عمتها عليها متسائله وهي تنظر إليهم
– مالكم في إيه ؟
وكاد أن يخرج من شفتي “جنه” الحديث ، إلا أن صفا أندفعت نحوها ترفعها من فوق الأرض، وتكتم شفتيها بكفها تُخبر عمتها
– أصلها مش مصدقة إن فتحي اداني مكافأة النهاردة
………………….
عاد بعدما يوم عصيب مرهق قد مرّ به ، انعش جسده بالماء البارد لعله يفيق قليلاً من تلك الحالة التي وصل إليها ..، فقد تجاوز اليوم أمراً لم يظنه أنه ييتجاوزه يوماً , لقد ذهب للمزرعه ..، ذهب للمكان الذي فقد فيه حبيبته ..، للمكان الذي شهد بعضً من لحظاتهم السعيدة ..
خرج من المرحاض يُجفف عنقه وشعره ، واتجه نحو الفراش يهوي عليه دون أن يبدل مئزره ، فلم يعد يتحمل الارهاق الذي ينهش جسده ..، تمدد فوق الفراش ثم أغمض عينيه ..، وصورة واحده كانت تظهر أمامه .. ، صورة تلك الفتاه التي تعمل بالمزرعة ، نفض رأسه سريعاً وهو ينهض عن الفراش وكأن عقرب قد لدغه ..، فكيف لعقله أن يُخزن بذاكرته أمرأه غير “مها” ومن مجرد لقاء واحد قد جمعهم
اتجه نحو مكتبه الخاص في غرفته الفسيحه ..، يفتح أحد ادراجه ويخرج إطار صورة , كانت من اجمل ذكرياتهم وهي تضحك ، بضحكتها الجميلة التي سلبت فؤاده في أول لقاء بينهم كما سلبت قلبه بأكمله ، كانوا يُداعبون الفرس الذي كان هو ورقته الرابحة في سباقاته والمفضل لديه ، وكان أيضاً سببً في كرهه للفروسية ، إنه السبب في مـ,ـوتها
القي الصورة داخل الدرج ، بعدما لم يعد لديه قدرة كالعادة في مطالعة أي شئ كان يجمعهما ..، فالشوق والحنين يأخذه إليها
واللحظات الجميلة ها هي تتدافق علي عقله ، يتذكرها وكأنها كانت بالأمس بين ذراعيه
– أحمد كفايه بقي خلينا نمشي ، أنت عندك شغلك وأنا كمان
داعب عنقها بشفتيه ، وهو غارق في دفئها ولذتها
– مش مهم أي حاجة ، المهم تفضلي في حضني
أخذها في جولة أخري في بحور عشقه ..، وبصعوبة كانت تتخلص من آسره ضاحكة بعدما رأت نيته
– لا ده أحنا كده هنفضل طول اليوم هنا ، وأنا لازم أفتح المكتب النهارده
ارتطم فوق الفراش بثقله ، بعدما لم يستطيع جذبها
– مفكرتيش برضوه في كلامي
اقتربت منه ، بعدما ضمت الغطاء فوق جسدها بأحكام ..، وتنهدت وهي تُطالع نظرته إليها
– وأنا نفسي يبقي ليا كيان يا احمد ، حتي لو في مجرد مكتب بسيط ..، كفايه إنك بتصرف علي أهلي
واردفت متحسرة علي حالها
– ويمكن في يوم تسيبني ، وهكون خسرت كل حاجة في حياتي
اجتذبها إليه ، بعدما لم يعد يتحمل رؤيتها بهذا الضعف ..، وحديثها عن تركه لها يوماً
– أنا عمري ما هحب ست غيرك يا مها ، ولا هقبل بست تاني إلا أنتي
لامس خدها بحنو ، يمسح عنها دموعها ..، يهمس لها بعشق
– بحبك
فاق من ذكرياته وقد وقف أمام مرآته يُطالع حاله
– لازم تبعد عن فريده يا احمد ، قلبك ل مها ومافيش ست هتقدر تاخد مكانها!
………………………………………………………
ورغم الفتور الذي ستيقظ به هذا الصباح ، إلا أن ما كان ينتظره منذ عام قد تحقق وهو يتلقي تلك المكالمة الهامة التي لم يُصدقها ..، طالع بريده الألكتروني وقد أتت عليه رساله بريديه أمس ، ولكنه لم يُجيب عليها ..، فاضطرت المؤسسه لمهاتفته حتي تخبره بالخبر السعيد وسعادتهم في الأنضمام إليهم
نهض عن مقعده وقد أخذ يدور في أرجاء غرفة مكتبه بحماس، ثم عاد ينظر نحو الفاكس المُرسل ، وجلس مرة أخري علي مقعده خلف مكتبه مُسترخياً بملامح سعيدة ، مُنتصرة لما حققه
احمد : يا اخيراً وصلت لحلمي ، وانضميت للمؤسسة في أمريكا
وسرعان ما كان يعتدل بثبات ، وقد دلفت سكرتيرته تُخبره بوجود “رامي” صديقه
– دخليه بسرعه يا داليا
غادرت الغرفة بعدما تلقت أمره ، وقد اعتلي ملامحها الذهول , من تلك السعاده الغريبة التي ترتسم فوق ملامحه الجاده ، فلم تعتاد علي رؤيته هكذا طيلة الثلاث أعوام التي عملت فيها معه
طالعه “رامي” بغرابه بعدما دلف ورأه علي حالته العجيبة ، فاتجه نحوه متسائلاً بشك
– ما تقولي سبب سعادتك ديه ، وفرحني معاك ياابن السيوفي
وجلس بعدها ينتظر سماعه ، فوق المقعد المقابل له ، اتسعت أبتسامة أحمد وقد شعر “رامي” بالقلق من هيئته الغريبة ..، فلم يري صديقه هكذا منذ سنوات دراستهم بالجامعة
– الشركه الامريكيه وافقت علي المشروع السياحي اللي قدمته ليها ، وموافقه اني اكون شريك معاهم بنسبه30%
ندهش رامي مما سمعه متمتماً بعدما نهض عن مقعده هو الأخر وقد الجمه الخبر:
– احمد انت بتهزر !
احمد : كان حلم حياتي اوصل للشركه ديه وانضم ليها ، انت عارف انها بتضم أكبر مهندسين العالم في المعمار
حضنه “رامي” بسعاده غير مُصدقاً ما وصل إليه صديقه
– مبروك يا احمد ، متعرفش أنا فرحان ليك أد أيه
ولكن سرعان ما تلاشت سعادته وطالت نظراته نحوه ، بعدما تذكر أن صديقه سيرحل عن مصر ، لتصبح حياته في بلد أخر
– طيب والكتابه وشركتك هنا في مصر
احمد : الشركات هنا في “عامر” وهو أجدر مني في كل حاجه ، اما كتابة الروايات
فأنا قررت اوقف كتابه خلاص ، جيه الوقت الي اوقف خداعي للناس انا مش “مراد زين”.. ، صحيح انا الكاتب الاصلي بس مراد زين , مات من 15 سنه
واردف وهو يُشيح عيناه عن صديقه
– أنا بخدع الناس بالمثاليه والحب ..، الحب اللي بقيت عايش فيه مع الذكريات ، انا شخص مات من زمان يا صاحبي ..، مات مع اول صدمة كانت في حياته
وارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يتذكرها
– مـ,ـوت الانسانه الوحيده اللي حبتها
واتبع حديثه بمرارة اقتحمت حلقه
– مراد زين ، الكاتب اللي كتاباته مغرقة السوق , سواء عن الحب او الظلم أو العداله او الرضي .. ، عالم بيحاول يبنيه لنفسه عشان يقدر يعيش والانسان اللي جواه ميمـ,ـوتش
وابتسم وهو يتابع حديثه ، وقد ترك حلم أخر خلفه :
– مراد زين أعتزل خلاص ، زي ما أعتزل الفروسيه زمان
ومد ذراعيه نحو “رامي” الذي اصبحت ملامحه حزينة لفراقه :
– محدش يعرف حقيقة مراد زين غيرك انت وعامر ، أنا واثق ان عامر هيفرح من خبر أعتزالي للكتابه ، لانه من زمان اوي كان معترض..
واردف وهو متحسراً علي حال شقيقه :
– هو شايف ان العالم اللي لازم نعيشه هو عالم الفلوس و الصفقات
– وأنا يا احمد ؟
تمتم بها “رامي” ، فرمقه أحمد وقد تلاشت سعادته وهو يري حزن صديقه
– هنفضل ديما علي تواصل يا رامي ، ومين عالم يمكن تغير فكرتك وتيجي أمريكا معايا ..، لسا فاضل شهر علي رحلتي
احتضنه “رامي” بقوه ، فرغم حزنه علي فراقه ..، إلا إنه يتمني له النجاح ولعلا يجد حياة جديده له هناك بعيداً عن الذكريات
– اهم حاجه عندي يا ابن السيوفي انك تنجح وتنجح ، تنجح بقي في عالم الادب ، تنجح في عالم المال ، تنجح في عالم الهندسه والعلم .. المهم انك تنجح لانك تستاهل ياصاحبي
وابتسم بحزن وهو يُطالعه : هفتقدك اووي يا أحمد ، اوعي رحلتك تطول في أمريكا وتعيش عمرك كله هناك
يتبع…
********
ظن ما سمعه من شقيقه مجرد مزحة سخيفه ، صحيح هو يعلم أن تلك الخطوة كانت من اهداف شقيقه وكان يخبره في الماضي إنه يحلم للأنضمام لتلك المؤسسه ..، وهو كان يأخذ الامر ضاحكاً .
– مش شايف ، فرحه في عينك يا عامر
وابتسم وهو يُمازحه بعدما أقترب منه
– تقريباً أنت زعلان علي المشروع اللي هسيبك في نصه ..، وهتكمله أنت يا باشا
رمقه “عامر” بنظرة غاضبه ، ورفع يده مُحذراً له من مزاحه الذي لا يروقه اليوم
– تمام يا باشا هسكت خالص ، بس أنا فعلا محتاج أسمعك وأنت بتباركلي وتاخدني في حضنك
– ممكن تسكت شويه يا أحمد
وأخيراً قد نهض عن مقعده ، واخذ يدور حول حاله ، يفرك جبينه بأرهاق ..، تحت نظرات “احمد” ، فهو يعلم مدي صعوبة الأمر علي شقيقه
أطرق “عامر” رأسه ، مُتأملاً سجاده مكتبه الفاخمة وكأنه يُرتب أفكاره من تحديقه بها،
فأفكاره كانت مشتته ، وقلبه لا يحتمل ترك شقيقه له ..، ليكون كل منهما في دولة أخري ..، وتطول الأيام والسنين ويزداد بعدهم ، ويصبح كل منهما ذكري للأخري
أعتصرت قبضة الفراق قلبه ، فهو ليس لديه قدرة علي بعده ..، لقد سعي لتزويجه من “فريدة” حتي يربطه به أكثر ، ربطه بكثرة الأعمال حتي لا يدعه يُفكر في البعد ، بل من الهروب من حياته
– عامر ، أنا مش هكون فرحان ..، لو أنت رفضت ..، عامر أنا محتاج أبعد عن هنا
رفع “عامر” عينيه ، ينظر إليه بعدما أستمع لعبارته ..، فلم يجد إلا الرجاء بهما ..، حاول الثبات في وقفته , بعدما هدأت وتيرة انفاسه المتهدجة ، وأصبحت المسافة بينهم منعدمه ، وبصوت رخيم هتف
– أنا محتاجك جانبي يا أحمد ، محتاج أخويا اللي مليش غيره ، عايز تبعد عني وتسافر
وتلك المرة كان يهتف هو برجاء متسائلا
– طيب انا زعلتك في حاجه ..، لو موضوع تدخلي في حياتك مضايقك ..، اوعدك هبطل افرض قرارتي عليك ..، مع أني بعمل كده حب صدقني
قاوم “احمد” دموعه ، بعدما تأثر بحديث شقيقه ، وهو يري مدي الحب في عينيه
– أنت أبني مش أخويا يا احمد
أخفي “احمد” عيناه عنه وأطرق رأسه أرضاً ، وقد لمعت الدموع في عينيه ، فلم يحب يوماً تلك اللحظات ، والأكثر أن تكون مع من يحبهم
– مش هنكر وأقولك إني مش عايز أبعد ، بس أنا محتاج أبعد ..، يمكن أنسي الماضي
– هتنسي الماضي ، وتنساني معاه يا أحمد
صرخ بها بقهر ، وقد بدأت المخاوف تقتحم فؤاده
– أنت بتقول إيه يا عامر ، أنساك ..، لو قولت متسافرش هنسي حلمي وهقعد يا عامر ولا في يوم تفكر إني ممكن أنساك
جذبه “عامر” إليه وقد دمعت عيناه هو الأخر، يضمه بين ذراعيه بقوة
– صدقني يا عامر ، ده كان حلم حياتي اني انضم لمؤسسه زي ديه ، انت عارف إنها اكبر مؤسسه للمهندسين المعمارين في أمريكا
– عارف يا أحمد ، عارف وفخور بيك
تمتم بها بقلة حيله ، فقد بدء قلبه يرأف علي حال شقيقه .، ولن يحرمه من حلمه وقراره
– وصدقني مش هطول هناك ، هعمل أسمي واثبت وجودي وأرجعلك
– كام سنه يا احمد
هتف بها “عامر” بعدما أبتعد عنه ، يُطالعه بمشاكسه ..،ينتظر أن يسمع رقماً حتي يُعاقبها بعدها إذا لم يعود إليه
صدحت ضحكات “احمد” بعد تلك اللحظات المؤثرة
– بتحط العقده في المنشار
عاد يجذبه “عامر” إليه ، بعدما ضحك هو الأخر
– متخافش يا عامر ، الغربه مش هتاخدني وانساك ..هحقق حلمي واجي احط ايدي في ايدك من تاني
– طب الكتابه وشهرتك هنا هتسيبها
أراد أن يضع له حلمه الأخر الذي سعي في تحقيقه ..، منذ خمس سنوات ..، وبالفعل كما قال له ..، إنه يضع له العقده بالمنشار
فضحك احمد ساخراً وهو ينظر لشقيقه ، وقد وقف يرمقه بترقب منتظراً جوابه ، ولكن جوابه صدمه
– أنا أعتزلت يا عامر ، ومن مده بفكر في الحكاية ديه
ثم اردف متذكراً خاله
– الكاتب المشهور مراد زين .. هو خالك الله يرحمه ، يعني أحمد السيوفي لا وجود له
طالعه “عامر” متجهماً بعدما خسر ورقته الأخيره
– أنا كنت معترض علي العالم ده ، عالم خلاك ديما منفصل عن الواقع ومقدرتش حتي تنسي الماضي معاه وتكون شخص جديد..
واردف مُتهكماً بعدما طالعه “احمد” بابتسامه واسعه
– لا انت بقيت عارف تكون “أحمد السيوفي” ولا بقيت عارف تكون “مراد زين” … ، بقيت عامل زي بياع الورد , بيبيع للناس الورد عشان يفرحهم مع انه اكتر واحد بيتأذي من شوكه
وتابع حديثه : طيب اتجوز فريده وخدها معاك ، فريده مهندسه شاطرة وذكيه وفي نفس مجالك ، واه أكون اطمنت عليك
وها هي عقده جديده يضعها شقيقه أمامه ، ويعلم إنه لن يفعلها ..، فقد حرم النساء عليه وانتهي الامر
– فريده بنت هايله يا عامر ، لكن أنا منفعهاش ..، وبلاش تحط العقده من تاني يا عامر
رمقها “عامر” ماقتًا من عقله الصلد ، الذي للأسف يشبه عقله
– نفسي تسعي ليك ، وتتجوز أنت يا عامر
– لسا برضوه منستش الماضي ، منستش مها
هتف بها حتي يهرب من عبارة شقيقه
– شايف أه انت بتهرب من حصاري ليك يا عامر، اظاهر أننا هنفضل مضربين عن الجواز لنهاية العمر
القي عبارته الأخيره مازحاً ، فانفرجت شفتي “عامر” بابتسامه واسعه .، وفتح له ذراعيه مجدداً
– مدام فاضل شهر علي سفرك ، حاول تشوف فريده بصوره تانيه يا احمد ..، يمكن تلاقيها شريكه حياتك المناسبه ليك ..، مدام مش هتختار بقلبك ..، مش عايزك تكون زي أسير الماضي
ابتعد عنه “احمد” ، وقد اصبح بالفعل يشفق علي حال شقيقه ..، وهو يدفن عمره , ويري النساء في صورة والدته
– أنا صعب أنسي يا عامر ، لكن أنت تقدر تسامح وتنسي ..، عاقبة ماما كتير وكفايه عليها كده وعليك
وعندما وجد الجمود يرتسم فوق ملامح شقيقه ثانيه ، تمتم بمزاح حتي يُخرجه من تلك الحاله قبل أن يتقمسها
احمد : شعرك بدء يشيب يابوس !!
…………….
ربت” احمد “فوق كتف صديقه، يمدّ له باخر عمل قد كتبه ، وانتهت معه رحله أعماله الأدبيه
طالع “رامي” الأوراق المدون بها العمل ، ينظر للاسم يُحاول أن يفهم أختيار صديقه له
رامي : المواجهه !
فهتف أحمد ، بعدما رأي نظرات الأستفهام من عينين صديقه
– الكتاب ده متنشرهوش دلوقتي غير لما ابعتلك ، وهو ده اللي هتكتب فيه قرار اعتزالي للأبد
أندهش رامي مما يسمعه ، فلم يؤجل صديقه نشره ، ولما يُعطيه له اليوم قبل موعد رحيله بعد غد
– حاولت أنهيه قبل ما أسافر، ومكنتش مكرر انشره غير وقت أعتزالي من عالم الأدب او بالأصح عالم رفضي الواقع ..، بس كل حاجة أتغيرت حسابتها بعد ما جات فرصة سافري لأمريكا
رمقها “رامي” متفهماً ، فهو كان يعلم بنية صديقه عن الأعتزال ولكنه كان يتمني أن يتغاضي عنها يوماً ،ولكن صديقه أتخذ الأمر بجديه بعد جاءه عقد الأنضمام
وسؤال واحد كان يطرق عقل “رامي” بإلحاح ، فلما أختار صديقه هذا الاسم ؟
– مواجهه ايه بالظبط ، اللي انت عايز توصلها لقرائك ؟
احمد ببتسامة واسعه : مواجهة الألم !
….
وها هو يواجه ألم أخر لم يكن يحسب له ، وهو يُهاتف “فريدة” يرغب في لقاءها بعد إنصراف صديقه .
………………
طالعته في سكون تام، وقد تلاشت سعادتها رويداً..، ظنت إنها أصبحت قريبه منه وقد بدء يشعر بها وبحبها..، ولكنه اكتشفت اليوم ما كانت إلا تركض وراء سراب حذرتها منه عمتها وللعجب والدها أيضاً بعدما لم يجد أي ردة فعل تتخذ.
رمقها بعدما أنهي حديثه متسائلاً، بعدما رأي الشحوب يعتلي ملامحها
– فريدة،. أنتِ كويسه
ابتلعت غصتها، وقد اطرقت عينيها نحو فنجان القهوة الذي اخذت تديره بحركات دائرية
– كويسة؟
همست بها بصوت خافت، ولكنه كان يسمعه..، شعر بالضيق وهو يري ما وصلة إليه معها..، ولكنه حذرها من حبه..، أخبرها مراراً أن ما بينهم ليس سوي عمل..، وأن نظرته نحوها ما هي إلا نظرة تقدير وإعجاب..، ولكن حب..، كان أبعد عن مشاعره , فلن يحتل أحداً قلبه مجدداً
– فريده، تحبي نقوم طيب
– ببساطة كده، طيب ليه
هتفت بها، دون أن يفهم مقصدها..، ولكنها اتبعت عبارتها وقد جلي في صوتها الألم
– وحبي ليك، محستش ابداً بقلبي
لم يتفوه بشئ، فبما سيخبرها وهي التي كانت تركض خلفه..، تدفع نفسها نحو حب ستكون هي الخاسرة فيه
– رد عليا يا بشمهندس
– أنتِ اللي جريتي ورا سراب يا فريدة، أنا عمري محسستك بحاجة تقول إن بحبك، كل مشاعري كانت تقدير ليكي وإعجاب
عادت الغصة تقف بحلقها، فتجرعت مرارة كلماته..، تخفي دموعها
– وأنا اللي حسيته ده كان سراب، دعوتك للعشا ليا، اهتمامتنا بحاجات لقينا نفسنا مشتركين في حبها، ابتسامتك اللي بقت تظهر وأنت معايا، رحلة المزرعة
ولم تعد تتحمل ثقل دموعها، فانسابت فوق خديها
– كلامك معايا عن أحلامي… ،وعن حلمنا إن المشروع يخلص
– فريدة، كفايه
– لا مش كفاية يا بشمهندس
تعالا صوتها، فالتف البعض يرمق تلك الباكية
– فريدة خلينا نقوم
التقط ذراعها بعدما نهض عن مقعده، فدفعت قبضته عنها حانقة
– أنت بتهرب مني ومن هنا عشان لسا عايش مع الذكريات..، ذكريات مع واحدة ماتت
نهضت عن مقعدها، بعدما القت عبارتها وقد تجمدت عيناه وملامحه.. ،تركته في صدمته واسرعت بخطواتها نحو الخارج
فاق علي حاله، وقد علقت عيناه بها وهي تُغادر من باب المطعم..، فاسرع نحوها يلتقط ذراعها
– عرفتي منين عن، مها ؟
– هو ده كل اللي يفرق معاك، إني عرفت
دفعته عنها، واسرعت تعبر الطريق وقد اغرقت الدموع خديها.. ،صدح صوت بوق سيارة قادمة بسرعة فائقة..، فسكنت مكانها مرحبة بقدومها لعلها ترتاح من ألم الحب الذي اقتحم حصونها وجعلها ذليلة لأحداً هكذا
– فريدة
صرخ بها وهو يجذبها، لا يُصدق إنها كانت ستفقد حياتها بسببه ويعيش بذنب أخر ثانية
– مستحقش تعملي في نفسك كده يافريدة، ولا حد يستحق ده يا فريدة
كان يضمها نحو صدره حتي تلتقط أنفاسها، وتستوعب ما كان سيحدث لها، دفنت رأسها بصدره تشم رائحته..، فربما كانت هذه اللحظة الأخيرة التي ستجمعهما
ابتعدت عنه وقد انتبهت للتو علي عبارته
– عندك حق، محدش يستاهل إن اخسر عمري عشانك
وتراجعت بضعة خطوات، تصفق له بكفيها
– أنا اتعلمت الدرس كويس يا بشمهندس
وبقوة واهية كانت تمسح دموعها، تفجر له ما عرفته
– ابقى اسأل عامر، إيه السر اللي مخبي عنك
وابتسمت بهون وقد التفت بجسدها راحله.. ، فقد إنتهى لقاء الوداع الذي دعاها من أجله ولحماقتها قد ظنت إنه سيخبرها اليوم بحبه لها
– مبروك علي إنجازك الكبير يا بشمهندس
تركته في سكونه يتسأل داخله، عما تقصده من حديثها الأخير وما الذي يُخفيه عامر عنه؟
……….
أندفعت لغرفة عمتها، ترتمي بين ذراعيها.. ، فضمتها ” السيدة كريمة” إليها وقد انتابها القلق.. فمنذ ساعات كانت تطير من السعادة بعدما طلب لقاءها وقد ظنت صغيرتها إنه سيخبرها بحبه
– هيسافر يا عمتو، كان عايز يودعني مش يقولي إنه حبني ونفسه يكمل عمره معايا
ارتسم الألم فوق ملامح “السيدة كريمة”، فما الذي فعله هذا الأحمق بصغيرتها
– حب يودعني قبل ما يمشي بكره يا عمتو
– النهاردة مسافر
هتفت بها “السيدة كريمة” بدهشة، ف بالتأكيد لم تأتي رحله سفره بهذه السرعه، منحتها “فريدة” الإجابة التي كانت تبحث عنها متمتمه بقهر
– كان عارف من شهر، وبيرتب لرحلته، ليه خلاني عايشه في وهم حبه مدام مقرر إنه هيمشي
تركتها “كريمة” تُخرج كل ما تشعر به، ضمتها بقوة إليها وقد بدأت الصورة تتضح إليها
– مش معقول يكون غبي لدرجادي يا فريدة وبيهرب من الحب
ابتعدت عنها “فريدة” تنظر إليها، وقبل أن يعود الأمل داخلها
– أو فعلا محبكيش يا فريدة، وهدفه الوحيد إنه يحقق أحلامه، لكن الحب بقى برة حساباته
وبقسوة لمن تكن تقصدها “كريمة” تمتمت وهي تعيدها لاحضانها مجدداً
– مش معنى إننا خسرنا في الحب، يبقى اتهزامنا يا فريدة..، فوقي لنفسك.. ،فريدة الصواف عمرها ما جريت ورا راجل رافض حبها
تملكها الحقد رغماً عنها، فقد دعسها أسفل قدميه دون رحمه، لقد جعل “فريدة” الشامخه.. تهبط من عليائها وتترجاه أن يمنحها حبه
………..
– إيه اللي خفيته عني من الماضي يا عامر؟
هتف بقوة، بعدما اقتحم غرفة مكتبه.. ينظر لملامح شقيقه المستفهمه عما يقصده.. ،اقترب منه ” احمد” بخطوات جامده، ينتظر سماعه
– أنت تقصد إيه يا أحمد
– عامر يا سيوفي..، بلاش طريقتك اللي أنا عارفه
– أنت اتجننت
صرخ بها “عامر” وهو يقترب منه، فتنهض “احمد” غاضباً من حالها، ف “عامر” شقيقه الأكبر، شقيقه الذي دوماً يري داخل عينيه السعادة والفخر كلما نجح وحصل علي شئ..، شقيقه الذي لا يبحث عن شئ غير سعادته حتي لو بعقليته المتحجرة، القاسية
– جاوبني يا عامر
تنهد “عامر” بضجر وملامح جامده، فهو لا يفهم مقصده
– مخبي عليا إيه في مـ,ـوت مها
ومن نظرة “عامر” الجامدة، ثم اشاحته للوجه بعيداً عنه، كان “احمد” يتأكد من صدق كلام “فريدة”، هناك شئ لا يعرفه عن حبيبته..، ولكن ما هو هذا الشئ
انتظره “احمد” أن يُجيب عليها، ولكن “عامر” ابتعد عنه.. وقد عاد لأوراقه
– بلاش يا احمد، أنت متخطتش ذكرياتك معاها.. عايز ليه تضيف سطر جديد في القديم
– أنت بتلعب بيا يا عامر، كفايه بقى.. مش كفايه أنت السبب في تعاسة فريدة، قربتها مني وأنت عارف إن قلبي اتقفل علي مها
– متستحقش حبك
وعاد يصرخ به ، بعدما نهض
– فاهم يعني إيه متستحقش حبك، ولا الذنب اللي حملت نفسك..، إنك السبب في مـ,ـوتها
– أنت بتقول إيه؟
اهتزت شفتيه وهو يُتمتم باسم شقيقه راجياً
– عامر
– معرفتش تتحكم في لجام الفرس، عشان كانت واخده نسبة مخدرة..، عارف يعني إيه… كانت مدمنه
اتسعت حدقتيه صدمه، فما الذي فعلوا بحبيبته
– مش هقدر اظلمها في مـ,ـوتها واقول إنها كانت ضحية لعيلة قذره، ممكن يخلوا بنتهم تدمن عشان تبقى تحت طوعهم
تسارعت أنفاسه وهو يستمع لما يُخبره به شقيقه
– كانوا بيستغلوها تشيل الممنوعات في المزرعه يا بشمهندس..
وبنبرة جامدة ، وقد سلط عيناه نحو المساحه الواسعه التي تتمتع بها شرفة مكتبه، هارباً من نظرات شقيقه المتألمه
– اظن أنت فاكر الليله، اللي جات فيها الشرطة للمزرعة
وهل ينسى هو تلك الليلة
فلاش باك
فتح عيناه مسترخيا بإنتشاء، يمدّ ذراعه جانبه، يبحث عنها،
اعتدل في رقدته..، يلتقط هاتفه.. ،فقد أصبحوا في منتصف الليل..، ف أين هي؟
دلفت الغرفة بتوتر.. وعندما وقعت عيناها عليه وقد استيقظ من غفوته تسألت برتباك
– أنت صحيت يا احمد
ابتسم وهو ينظر لهيئتها، مستغربًا من حالة ثيابها
– أنتِ كنتي في الأسطبل يا مها
اماءت له برأسها، وتقدمت منه تشعر بالخوف
– روحت اقعد مع شمس شويه
كان ” شمس” احد اسماء احصنته، وقد أصبحت مرتبطة به بشدة..، مدّ له بذراعه متفهماً
– تعالي يا حببتي، أنا بس قلقت عليكي..، مالك مخضوضة كده ليه
اقتربت منه بتوتر، فاجلسها فوق ساقيه.. ،يمسح فوق خديها , يتفرس ملامحها المرهقة
– مها، أنتِ مبقتيش عجباني، حاسس إن فيكي حاجة، أو مخبية عني حاجة
بهتت ملامحها، ولكن سرعان ما كانت تعود لطبيعتها..، فماذا سيحدث لو علم أن حبيبة قلبه أصبحت مدمنه..، خاضعة بجسدها لذلك الرجل الذي يمنحها جرعة المخدرات بعدما كان والدها سببً في إدمانها، بل لم يرحمها بعد كل ما فعله واجبروها أن تدس الممنوعات هنا في المزرعة
خاطبت حالها مُتحسرة فقد دُنس جسدها الذي أقسمت أن لا تهبه سوي للحبيب..، وها هو الحبيب يغرقها بين ذراعيه.. ، يُخبرها عن مدى عشقه لها
ضمها بقوة إليه، قبل أن يُدمغها مرة أخرى بنوبات جنونه..، ولكنه ابتعد عنها متسائلا بنظراته، وهو يلتقط أحدي أوراق الشجر من بين خصلاتها، وهي ورقة لشجرة منفرده في بيت المزرعه
فاق من شروده وهو يتذكر فزعتها صباحاً عندما استمعت لسرينة الشرطه ، عندما نهض علي رنين هاتفه ..، وصوت شقيقه يُخبره أن الشرطة لديه بالمزرعة
– أنت عرفت كل ده إزاي يا عامر
تمتم بها مصدوماً ، فمها لا تفعل به هذا .
– خليت عامل عندي في المزرعه ، يراقبها لم تكونوا موجدين هناك
واردف بعدما اخذ يُطالعها لبرهة ، ثم أشاح عيناه عنه
– تفتكر إني مكنتش عارف بلقائتكم في المزرعة يا احمد ، أنا كنت عارف وساكت ..، سيبتك يا أحمد تعمل اللي عايزه ..، قولت يمكن أطلع في النهاية غلطان
وبحقد كان يتغلل داخله من النساء
– كلهم زي بعض ، مافيش ست مخلصه
– مها لاء يا عامر ، اكيد كانت مجبوره علي ده
تمتم بها ، بعدما هوي بجسده فوق الأريكه ، فلم يعد يتحمل أرتخاء ساقيه من هول ما سمعه
– يمكن مكنتش وحشه ، يمكن ظروفها أجبرتها علي ده ..، ويمكن حاجات كتير تكون أتفرضت عليها ..، لكن أنت مش سبب مـ,ـوتها وهي مكنتش ست وافية لدرجة تعيش عمرك كله علي ذكراها
– وليه محذرتنيش ، ليه موجهتهاش ..، فضلت تتفرج علي الصوره من بعيد ليه
وبنبرة جامدة كان يصرخ به
– لو كانت واثقة فيك وفي حبك ..، كانت جريت عليك وحكتلك ..، لكنها كانت مستسلمه ، ضعيفة ..، رضيت تتجوزك في السر ورضيت تضيعك وتضيع نفسها
اطرق رأسه أرضاً ، يفرك عنقه ..، بعدما استمع لكلامه ..، فلو كانت تثق به ..، لكانت أخبرته عن السبب الذي جعله تفعل ذلك
– وعشان مفضلش عمري كله ، في الصوره الوحشه ديه احمد أنا و أبوك .. كنا هنرضخ لرغبتك ..، لكن
رفع رأسه ، بعدما أستمع لعبارة شقيقه الأخيره ، فقد مضي الوقت وفات الأوان ومن يتحدثون عنها قد رحلت
– كانت ماتت يا عامر ، مش كده ..، ماتت وابني اللي في بطنها مات وراح
……………