اميرة علي عرش قلبي

السابع عشر

 

كلامه كان مبهماً غير واضح بالنسبة لها لذا تراجعت مروة سائلة:

-نبعد عن بعضنا في غيابك! يعني إيه إنت ماوي تسيبني وتروح فين يا براء.

لتنفجر في وصلة بكاء منتحبه بعويل غريب.رمقها هو بنظرة مندهشة ثم هتف:
ت

عرفي يا مروة أنا صدقت أميرة لما قالت عليكي تافهه، مش فاكرة يا غبية انكم عايزيني أقدم في كلية الشرطه!

كففت عبراتها وجلست بلامبالاة ثم اردفت بملل:

-اه صحيح هيكون غيابك يعني عشان الكلية لكن هفضل انا لوحدي هنا طب هاروح وأقعد مع ماما وأوضح لها الأمر عشان مش ترجع تبعتني هنا مرة تانية.

تفاجئ هو بردها ليهتف بها:

-معنى كلامك انك مارجعتيش من نفسك عشاني زي ما قولتي.

جحظت عيناها وتحشرج لسانها بالكلمات.

-للا لأ يا اخويا بص هي اقترحت عليا ان أرجع هنا عشان مش نبقى كلنا سيبناكم لوحدكم وأنا وافقت أني ارجع عشانك انت بس.

أومأ لها برأسه وإذا به يسخر منها قائلاً:

-وإذا جيه ابوكي دلوقتي وقالكِ ليه رجعتي؛ هتقولي له عشان وحشتني يا بابا مش كدة يا منافقة؛

على العموم يلا امسكي موبايلك وكلمي اختك؛ ومتعرفيهاش بوجودي.

رد فعلها كان سريع حين اسدلت هاتفها من جرزانها واجرت الاتصال سريعاً.

كانت جالسه كعادتها خلف نافذة غرفتها تفكر كيف ستتعامل مع تلك العائلة التي لا تجيد التعامل معها ولا تقوى على الانتماء لهم بأي شكلٍ من الأشكال.

ليشرق وجهها وتعود الدماء تجري في عروقه مرة أخرى عندما اصدح رنين هاتفها بالأول تذكرت انه قد صفح عنها ورق قلبه لها لكن خاب ظنها حينما وجدت الهاتف ينير بأسم مروة فأبتسمت وأجابت على الفور.

-أهلاً يا أختي دلوقتي بس أفتكرتيني!

لتجيب مروة على الفور وهي تضحك:

-عاملة إيه يا عنيدة كنت فاكرة انك انتِ اللي هتكلميني الاول وتفتكري انك طولتي لسانك السليط دا عليا.

كان يلتصق بأخته حتى يستمع الي صوتها ثم أشار لها بأن ترفع صوت المكالمه وعندها اغمض عينه بنشوة غريبة وابتعد عن شقيقته مجبراً نفسه على عدم التحدث معها ليستمع الي سؤالها عنه.

-انا بخير يا حبيبتي انتِ عاملة إيه وبراء عامل إيه هو كمان قوليله مش يزود في خصامه أنا مش عملت حاجة عشان يتجنبني كدة.

نظرت له مروة بغضب وقد فهمت لماذا اجبرها على الاتصال لتقول متفهمة عن حقيقة هذا الخصام.

-انا ماكنتش اعرف حاجة عن خصامكم ده يا أميرة بس اكيد زعلتيه بلسانك الطويل دا.

تفاجئت الاخري بردها وإذا بها تردف نافية.

-لا هو خاصمني عشان أصريت على رأي و مشيت عشان مامتك ترجع ليكم تاني.

حزنت مروة على كلامها واسترسلت مكملة.

-بس ماما مش هترجع يا أميرة قالتلي انها لما مشيت من هنا كان بسبب خناقة بينها وبين بابا وانتِ ماكنتيش سبب في الخصام ده.

ابتسم براء ساخراً على حديث تلك التافهه التي تصدق اي شئ دون تفكير وإذا به يتجه نحو شرفة الغرفة هامساً لنفسه.
-مامتك بتكدب عليكي يا أختي.

وبعد مدة ليست بقصيرة انهت مروة حديثها معها واتجهت نحوه وجدته يجلس وحده حزيناً فجذبت مقعد وجوارته الجلوس وإذا بها تواجهه:

-انت كدبت عليا يا براء لاعبتني في الكلام عشان أكلمها وتطمن عليها وأنت بتزود في خصامك لها.

بطرف عينه رمقها ثم عاد بنظره للأمام قائلاً:

-انا مش بكدب يا بت كل ما هنالك اني عملت معها زي ما عملت معاكي بالظبط إيه ذنبي اذا كانت هي فهمت دا بالخصام.

هذا الكلام لم يبرر موقفه ولم يدخل رأسها لذلك اردفت سائلة:

-لكن أنت عارف انها مش زيي؛ ومش هتقدر على الرجوع لينا بسهولة ليه مش كلمتها مع انك عارغ قيمتك في حياتها كويس؟

تنهد بملل وأسند رأسه على ظهر مقعده بحزن ثم اجابها بهدوء:

-عارف كده بس أنا عايز اتعود على بُعدها وعايزها هي كمان تتعود على فراقي عشان تقدر على تخاد قرارها من غير ما ترجعلى.

صمتوا هما الاثنان حين تفاجئو بوالدهم يقف خلفهم ويردف لهم:

-انتِ رجعتي يا مروة عشان تتأنسي باخوكي
بس.

وقفت سريعاً واتجهت نحوه أمسكت يده واتجهت به ليجلس مكانها ويردف مكملاً:

-مالكم قاعدين لوحدكم ليه دا أنتوا حتى ماسألوتنيش عن زيارة الظابط لنا!

بطبيعة الحال ظنت انه قد اتي من أجلها فلمعت عيناها وارتسمت على ملامحها السعادة.

لكن أخيها قرر احباطها حين اردف ساخراً:

-عرفت انه جاي عشان يعرفك بالتهمة الجديدة  اللي ليتهموك بيها عيلة أميرة ها هتعمل إيه دلوقتي بعد ما سيبتها تمشي لهم  بخوفك عليا انا.

أبتسم بدر على حديث ولده الذي ظن لوهلة بأنه يخشى اتهامهم له:

-أنت لسه صغير يا بني ماتعرفش اسه إيه هي خبايا ابوك وماتعلمتش حاجة من جدك.

رد براء له الابتسامه منفضاً يده بلا مبالاه:

-ولا عايز أعرف يا بابا هقدم في الشرطة
وأمشي من هنا انا كمان.

تركتهم يتشاورون ويندمجون في حديثهم عندما شعرت بالأحباط فقررت ان تجلس جانباً تعبث في هاتفها ليكمل ابيها مستنفزاً اخر ما تبقى له من صبر:

-آنت جرالك إيه يا بني انا عمري ما شوفتك بالسلبية، كنت بشوفك من صغرك رجلٌ قوي لكن دلوقتي انا مش شايفك غير طفل صغير أنت حتى عمرك ما كنت بالضعف دا لما والدتك مشيت.

غضب براء من وصف والده له هب واقفاً منفعلاً في مواجهته:

-شايفني عيل قدامك ماشي يا بابا من دلوقتي هأهتم بنفسي بس وماليش دعوة بأي حاجة تحصل بعد كده.

ثم ركل المقعد بقدمه وإذا به يترجل من أمامهم بغضب لتهمس مروة بخوف.

-ليه زعلته كده يا بابا انت عار٤ انه مدايق عشان أميرة.

أومأ لها برأسه متفهماً لما تعنيه مغيراً مجرى الحديث:

-عارف دا كويس يا بنتي بس سيبك منه دلوقتي هو هيهدا ويرجع لرشده لوحده يلا قوليلي انتِ بقى والدتك عرفت برجوع أميرة لي بيت أبوها.

-ايوا يا بابا عرفت.

رفع حاجبه بإستنكار متسائلاً:

-وليه مارجعتش معاكي.

صمتت قليلاً وأبتعدت عنه بخوف من رد فعله ثم اردفت بقلق:

-بصراحة يا بابا أمي زعلت من مشي أميرة؛ قالتلي انها مش ليها دعوة بخصامكم.

توجه بنظره الي الفراغ أمامه وإذا به يأمرها:

-طيب روحي دلوقتي لجدتك اصلها تعبانة ومحتاجة لحد يرعاها.

لما شافت على هذه الحاله قررت بالفعل تنفيذ أمره وجرت نحو الخارج سريعاً ليردف هو بغضب:

-خليكي على عِندك زي ما انتِ عايزة يا منال بس صدقيني في يوم هترجعي وترضخي ليا.

اما عند اميرة

بعد اغلقت الهاتف مع مروة شعرت بفرحة عارمة عندما استمعت الي صوتها واطمئنت منها ايضاً على عنيدها أنتفضت بشهقة عندما فتح باب غرفتها ووجدت هذه التي تدعي أحلام تقف جاحظة العينين وتهتف برعونه.

-يا خبيثة أنتِ بتعملي إيه لسه بتكلميهم وتنقلي ليهم اخبارنا.

صعقت مما تقول ولكنها لم تهتم الا لأمر واحد:

-أنتِ بتهرتلي بتقولي إيه هو بتتجسسي عليا؟

كان ردها لازع قوي لذلك تغنجت الاخري مثلما تفعل والدتها وهتفت ببرود:

-انا اتجسس عليكي انتِ وليه أعمل كده يا حبيبتي دا البيت بيتنا وإحنا احرار فيه؛ ندخل ولا نخرج من اي حته تعجبنا ولا حد غيرنا يملك فيه أي خصوصية أما انتِ فالحقي دبري أمورك لحد عمي مايجلنا ويعرف انك مازلتي تراسليهم؛
وياريته يطردك ويخلصنا من شوفة وشك الجميل.

ليتهجم وجه أميرة بغيظٍ وإذا بها تنهض بثقلٍ من علي فراشها وهي تنهرها قائلة:

-بتهدديني يا احلام يلا روحي وقولي للي عايزة تقوليله عشان يطردوني من جنتكم اللي  خالفني ظني لما  فكرت وجيت بنفسي ليها يلا غوري من قدامي قبل ما اجيبك من شعرك.

ارتعبت احلام منها وإذا بها تهرول نحو الخارج خوفاً من ان تمسسها بسوء وهي تهتف بصوت عالي.

-عايزة تضربيني طيب انا هنادي على أمي وهي هتاخدلي حقي منكِ أمي أمي.

-إيه اللي بيحصل هنا؟

كان هذا صوت الصغيرة إلهام التي ترجلت من غرفتها سريعاً على صوتهم وكان بجوارها الصغير يوسف.

لتلتفت لهم اميرة ومازال الغضب يسيطر عليها.

-نعم! عايزة إيه، عندك مشكلة معايا انتِ كمان.

اشهرت يدها أمامها برجفة ثم نفت لها:

-انا لا أبداً ابداً يا أختي؛ كل ما هنالك اننا سمعنا صوت خناقكم.

زفرت غضبها وحاولت تهدئة نفسها حينما رأت عيني الخوف بعيونهم قائلة:

-ماحصلش حاجة ماتخافوش انتو الأتنين.

لكنها تفاجئت بزوجة أبيها وهي تجهر بصوتها وتأتي من خلفها أبنتها.

-حصل كتير يا بنت جوزي، بقى بترفعي أيدك على بنتي يا بنت الافاعي دا انا هأقطع لكِ أيديكِ اللي أتجرئتي وضربتي بنتي بيها دي وبعدها هارميكي لي عمك وأقوله انك بتنقلي أسرارنا لعيلتك المصونه.

وقبل ان تمد يدها عليها تفاجئت بإمساك أميرة لعضدها ثم دفعتها بقوة للخلف صائحه:

-قولتلك قبل سابق أوعي تفكري ترفعي أيدك عليا اما عن بنتك الكدابة دي فأنا مش جيت جانبها وروحي وقولي للي عايزة تقوليله أنا ولا يهمني حد.

ثم دفعت الباب بقوة لينغلق في وجه الجميع
واتجهت نحو الاريكة الموضوعه أسفل النافذة
تناجي ربها بحزن جم

-أنا إيه اللي عملته في نفسي ده ليه اصريت عليهم بأني أمشي مين يقدر يرجعني ليكم دلوقتي.

لتنظر الي السماء قائلة:

(ربي إني مسني الضر وانت ارحم الراحمين)

لكنها كانت تعلم أن هذا اليوم لم يمر عليها بسلام حينما حل المساء وعادو الرجال من اعمالهم وقفت زبيدة وابنتها يتصنعون البكاء ويصرخون امام زوجها.

-اه يا خيبة أملي بعد كل العشرة دي بينا تيجبلي بنت زي دي يا عبد العزيز يا خبيتي وخجلي قدام عيالي انا اضرب واطرد من بيتي بعد ما قضيت حياتي كلها متهنية فيه ومن مين؟ مجرد بنت أكبر من بنتي بسنة واحدة.

ولأنه كان ضعيف امامها هرول ليجفف دمعها سائلاً.

-خير يا حبيبتي إيه اللي حصل بتبكو ليه كده.

بدئت تنتحب بصوتٍ قوي وتشير بيديها للأعلي:

-بنتك الكبيرة الأميرة المتوجة اختها احلام كانت طالعة ليها تقعد معها وبكل ادب خبطت على بابها وفتحته لقيتها بتكلم حد من عيلة والدتها علي المحمول بتاعها.

ولما سألتها مع مين بتتكلمي اتهمتها بالتجسس عليها وتصور انها رفعت أيدها عليها وضربتها

جات ليا بنتي المسكينة تشتكيلي فروحت ألومها وأفهمها انهم أخوات ومش يصح انهم يتعاملوا كده بس فاجئتني بالهجوم عليا وزقتني برة الأوضة وراحت مزعقة في وشي وقالتلي

يلا روحي وعرفي الكبير هنا؛ انا مش بيهمني حد.

قالت جملتها الاخيرة وهي تنظر إلى اخيه محمود الذي دب بعصاه ارضاً بغضب وقبل ان يتفوه عبدالعزيز كان يأمر هو ابنه:

-خالد اطلع على فوق وهاتلي البنت دي وماتنساش تجيب معاها التليفون اللي مخبياه عن عنينا كلنا دا.

اومأ خالد لأبيه ورمق أحلام و والدتها بنظرة خبيثة ثم صعد الي الأعلى سريعاً.

دق باباها وانتظر قليلاً ثم هتف:

-ممكن أدخل ليكي يا أميرة.

ضمت حاجبيها ثم همست لنفسها بضجر:

-اوف مش نقاصني غيرك انت كمان، أتفضل يا خالد.

فتح الباب بروية وتحرك نحوها؛ متصنعاً الاهتمام بها والخوف عليها.

-إيه غللي عملتيه النهاردة دا يا أميرة قولت لك سيري امورك مع الأفعي المكارة دي هي وبنتها بالذات ليه تعديها للدرجه دي تضربيهم يا أميرة!

جن جنونها وانفعلت عليه هو الاخر إذا بها تحاول النهوض لتجده وللمرة الثانية يحاول الاقتراب منها واسنادها لتزجره هاتفة:

-إياك تقرب مني او تلمسني مرة تاني، انا مش ضربت حد دول هما اللي حاولوا يتهجموا عليا وأنا اتصديت ليهم ودفعتها بعيد عني بس؛ عشان أحمي نفسي منها.

جلس متشدقاً بسخرية:

-بالنسبة للموبايل  اللي مخبياه عن عينينا كلنا وبتكلمي عيلة امك منه.

علامات الأستياء ملئت وجهها وبعدها اردفت بضجر:

اظن انه مفيش أنسان على وجه الأرض؛ يقدر يمنعني من اني ارد على مكالمة من أختي.

أبتسم لها مؤكداً:

-لكن الحاج محمود الجندي يقدر على كده وهيعملها ومن الأحسن ان تحاربيهم بنفس س\لاحهم عشان نتفادي ضربة من أيد ابويا ليكي.

نظرت له بعدم فهم ليردف هو موضحاً:

-عار٤ أن عندك عزة نفس مفيش وغحدة في البيت ده تملكها عشان كده لازم تتخلى عن شوية من صدقك اديني الموبايل عشان أكسره وانتِ هتقوليله بأنه مش شغال من شهور وأنهم بيفترو عليكي بالكلام دا.

نظرت في عينه بعينٍ غائرة ثم هتفت:

-انت عندك حق يا خالد الناس دي مش يليق بيهم التعامل بصدق ومفيش طريقة للتعامل معاهم غير النفاق.

وبعد أن هشم خالد هاتفها تحت حذائه وتأكد انه لن يعمل ثانيةً
ترجلت معه للأسفل ونظرت إليهم متصنعة الاندهاش متحدثة بحزن:

-مالكم ليه بتبكو كدا هو مات ليكي حد يا مرات ابويا؛ ولا أنتِ بتتألمي من حاجة يا أختي ياحبيبتي.

اندهشوا من تقلبها هذا لم يتحدثوا ليستمعوا الي محمود يصيح بها:

-قربي هنا بنت.

رمقت ابيها بنظرة كارهه ثم ألقت على احلام ووالدتها نظرة خبث وامالت بجسدها على خالد معطياه الفرصة لأسنادها وبكل أدب وهدوء تقدمت نحو عمها واجباته.

-نعم يا عمي.

من طريقتها شعر بأنها ربما تكون مظلومه لم يهتم كثيراً بشأنهم وسألها:

-أنا مش قولتلكِ عشية تقطعي علاقتك بعيلة امك دي.

تصنعت الاندهاش وأردفت:

-ودا اللي حصل فعلاَ إيه الجديد بقى.

جحظت عينه لردها السريع وهم بالوقف ليعلن عدائه لها:

-الجديد انك بتكلميهم على تلفونك وتبعتي لهم اخبارنا يا بنت اخويا٠

بكل اتقان في التمثيل كادت ان تبكي أمامهم وهتفت:

-لكن دا افترا وكلام ملهوش اي دليل من الصحه أنا تليفوني مكسور من شهوركتير يبقي ازاي هقدر اكلم حد عليه.

رمق محمود ولده خالد بنظرة استفهام ليخبره الاخير وهو يمد له يده بالهاتف.

-دث حقيقة يا ابويا الموبايل مكسور فعلاً وباين انه كسر من زمان كمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *